الفراشية الليبية… هل تحمل في طياتها أثرًا من ذاكرة الأندلس؟

من الفراشية الليبية وطريقة «التبمبيك» إلى وصف أبي حيّان لنساء الأندلس اللواتي لا يظهر منهن إلا عين واحدة؛ رحلة في الذاكرة والزي والروابط الحضارية بين ليبيا والأندلس وبلاد المغرب، مع التفريق بين الحقيقة التاريخية والاحتمال الثقافي.

«غطّت الفراشية وجه المرأة الليبية… لكنها كشفت تاريخ مجتمع كامل»

ليست الفراشية مجرد قطعة قماش بيضاء كانت المرأة الليبية تتلفّع بها عند خروجها من منزلها؛ إنها مشهد من ذاكرة البلاد، وصورة بقيت حاضرة في الأزقة والأسواق والمدن القديمة، وفي حكايات الجدات والصور التي حفظت ملامح المجتمع الليبي عبر الأجيال.

كانت المرأة تلفّ الفراشية حول جسدها في وقار، وتغطي بها رأسها ووجهها، فلا تترك في بعض طرق ارتدائها إلا فتحة صغيرة تنظر منها بعين واحدة. وبذلك جمعت الفراشية بين الستر والأناقة، وتحولت من لباس يومي إلى علامة ثقافية مميزة للمرأة الليبية.

ولكن هذه الهيئة تفتح أمامنا سؤالًا تاريخيًا مثيرًا:

هل الفراشية نتاج ليبي محلي خالص، أم أنها تحمل بين طياتها أثرًا من ذاكرة الأندلس والمجال الحضاري الممتد حول البحر المتوسط؟

الفراشية… حين يصبح اللباس ذاكرة

الفراشية قطعة واسعة واحدة، صُنعت في الغالب من الحرير أو من الأقمشة البيضاء الخفيفة، وقد عُرفت منها ألوان وخامات مختلفة ارتبط بعضها بالمناسبات والمراحل الاجتماعية.

ولم يكن ارتداؤها أمرًا عشوائيًا؛ فقد كانت لها طريقة خاصة في اللف والتثبيت، تتعلمها الفتاة من أمها وجدتها، حتى أصبحت مهارة نسائية تنتقل من جيل إلى آخر.

أما تغطية الوجه بالفراشية مع إظهار عين واحدة، فكانت تُعرف في مناطق من ليبيا باسم «التبمبيك»، ويقال عن المرأة التي ترتديها بهذه الطريقة إنها «متبمبكة». وفي بنغازي وبعض مناطق الشرق الليبي عُرفت الهيئة بتعبيرات محلية أخرى، منها «متغمشة».

ولم تكن هذه الطريقة تعني الستر فقط، بل كانت تعكس منظومة اجتماعية كاملة تقوم على الحياء والوقار والخصوصية، وتمنح المرأة في الوقت نفسه حضورًا مميزًا وأناقة هادئة لا تحتاج إلى الزخرفة.

عين ليبية… ووصف أندلسي عمره قرون

عندما نشاهد صورة المرأة الليبية وهي ترتدي الفراشية ولا يظهر من وجهها إلا عين واحدة، نجد تشابهًا لافتًا مع وصف تاريخي تركه لنا أحد أشهر علماء الأندلس.

فقد ذكر الإمام أبو حيّان الأندلسي، المتوفى سنة 745هـ، في تفسيره «البحر المحيط»، أثناء حديثه عن إدناء الجلباب في الآية التاسعة والخمسين من سورة الأحزاب:

«وكذا عادة بلاد الأندلس، لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة».

عبارة قصيرة، لكنها تفتح نافذة واسعة على الحياة الاجتماعية في الأندلس، وتثبت أن تغطية المرأة لوجهها مع إظهار عين واحدة كانت عادة معروفة هناك منذ قرون.

وهنا يبرز السؤال من جديد:

هل التشابه بين هيئة المرأة الأندلسية ووضع الفراشية الليبية مجرد مصادفة، أم أنه أثر من آثار التفاعل الحضاري الذي جمع الأندلس ببلاد المغرب؟

لا نستطيع، اعتمادًا على التشابه وحده، أن نجزم بأن الفراشية انتقلت مباشرة من الأندلس إلى ليبيا؛ فالألبسة الواسعة والملاحف وأغطية الوجه عُرفت في مجتمعات عربية وإسلامية ومتوسطية عديدة. لكن التشابه يظل جديرًا بالتأمل والبحث، خاصة في ظل الروابط البشرية والثقافية التي جمعت ضفتي البحر المتوسط على مدى قرون.

عندما عبر الأندلسيون إلى بلاد المغرب

بسقوط غرناطة سنة 1492م انتهى الحكم الإسلامي في الأندلس، لكن الوجود الأندلسي وثقافته لم يختفيا في يوم واحد.

دخل المسلمون بعد سقوط غرناطة مرحلة قاسية من التضييق والتنصير القسري وملاحقة اللغة والملابس والعادات. ثم وقع الطرد الجماعي للموريسكيين بين سنتي 1609 و1614، فاتجه معظم المطرودين إلى بلاد المغرب، ولا سيما المغرب الأقصى والجزائر وتونس، واستقرت جماعات منهم في مدن وموانئ مختلفة من العالم المغاربي والمتوسطي.

لم يعبر هؤلاء البحر بأجسادهم فقط؛ بل حملوا معهم اللغة والذاكرة والحرف والصناعات وأساليب البناء والزراعة والموسيقى والطعام والنسيج والملابس.

ومع مرور الزمن، امتزجت مؤثراتهم بعادات المجتمعات التي استقروا فيها، وأصبحت بعض العناصر الأندلسية جزءًا من نسيج ثقافة المغرب الكبير.

كانت ليبيا أيضًا متصلة بهذا المجال من خلال التجارة والأسفار والطرق البحرية والبرية، وعلاقات مدنها مع تونس والجزائر وبقية حوض المتوسط. لذلك فإن احتمال وصول بعض التأثيرات الأندلسية إليها أمر وارد من الناحية الحضارية، لكن تحديد أصل الفراشية الليبية في الأندلس تحديدًا قاطعًا يحتاج إلى وثائق تاريخية أكثر صراحة.

والأدق أن نقول إن الفراشية تنتمي إلى فضاء مغاربي ومتوسطي واسع، تشكل عبر تفاعل عناصر عربية وبربرية وإسلامية ومحلية، ثم أعاد المجتمع الليبي صياغتها ومنحها اسمها وطريقتها ودلالتها الخاصة، حتى أصبحت هوية ليبية لا تخطئها العين.

هل عبر هذا الأثر إلى العالم الجديد؟

تتحدث بعض الروايات المتداولة عن انتقال عادة إظهار عين واحدة إلى أمريكا اللاتينية عن طريق الموريسكيين الذين وصلوا إلى المستعمرات الإسبانية.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن بعض المسلمين والموريسكيين وصلوا بالفعل إلى العالم الجديد، أحيانًا بصورة خفية أو بهويات مسيحية، رغم القيود التي فرضتها السلطات الإسبانية على سفر من كانت تصفهم بـ«المسيحيين الجدد».

كما ترك التراث الأندلسي والمغاربي آثارًا واضحة في جوانب من العمارة والزخرفة واللغة والطعام والفنون في المجتمعات الإسبانية واللاتينية.

لكن لا توجد، وفق ما توفر من مصادر، أدلة كافية تثبت أن عادة تغطية الوجه مع إظهار عين واحدة انتقلت إلى أمريكا اللاتينية وأصبحت هناك تقليدًا مماثلًا للفراشية الليبية. ولذلك يجب أن تبقى هذه الفكرة في دائرة التساؤل والبحث، لا أن تُقدَّم باعتبارها حقيقة تاريخية محسومة.

فالتاريخ يصبح أكثر جمالًا حين نبحث في أسراره، لكنه يصبح أكثر قيمة حين نفرّق بين الحقيقة المثبتة والفرضية الممكنة والتشابه المثير.

الفراشية… هوية صاغتها المرأة الليبية

سواء حملت الفراشية أثرًا أندلسيًا بعيدًا، أم نشأت نتيجة تطور محلي داخل البيئة الليبية والمغاربية، فإنها وصلت إلينا بصورتها المعروفة بوصفها تراثًا ليبيًا أصيلًا.

فللفراشية تسمياتها الليبية، وطريقة ارتدائها الليبية، وحضورها المرتبط بالمدينة والأسواق والأفراح والزيارات والحياة اليومية. وهي جزء من تاريخ المرأة التي لبستها، ومن ذاكرة العائلات التي احتفظت بها، ومن صورة المدن الليبية التي ظهرت فيها أجيال من النساء وهن يتلفعن ببياضها.

ومع تغير أنماط الحياة، تراجع استعمال الفراشية لباسًا يوميًا، لكنها لم تغب عن الذاكرة. فما تزال حاضرة في المناسبات التراثية والمعارض والصور القديمة، بوصفها رمزًا للوقار والأناقة وواحدة من أشهر صور الزي النسائي الليبي.

قطعة بيضاء تحمل تاريخ وطن

لا تحتاج الفراشية إلى أن ننسبها قسرًا إلى حضارة واحدة حتى نثبت قيمتها؛ فجمالها الحقيقي يكمن في أنها تحمل طبقات من تاريخ ليبيا، وتكشف صلاتها الثقافية ببلاد المغرب والأندلس وحوض البحر المتوسط.

قد يكون التشابه مع عادة نساء الأندلس أثرًا من تاريخ طويل من التواصل الحضاري، وقد يكون تعبيرًا متقاربًا عن قيم الحياء والاحتشام في مجتمعات تنتمي إلى فضاء ثقافي واحد. وفي الحالتين، تبقى الفراشية شاهدًا على قدرة المرأة الليبية على تحويل قطعة قماش بسيطة إلى رمز كامل للهوية والجمال والوقار.

لقد غطّت الفراشية وجه المرأة الليبية، لكنها كشفت لنا تاريخ مجتمع كامل؛ تاريخًا صاغه الحياء، وزيّنه الذوق، وحفظته الجدات حتى وصل إلينا.

الفراشية ليست مجرد لباس من الماضي… إنها حكاية امرأة، وذاكرة مدينة، وقطعة بيضاء من تاريخ ليبيا.


المصادر والمراجع

  • أبو حيّان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، تفسير سورة الأحزاب، الآية 59.
  • محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس.
  • عبد الرحمن علي الحجي، التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة.
  • L. P. Harvey, Muslims in Spain, 1500 to 1614.
  • Karoline P. Cook, Forbidden Passages: Muslims and Moriscos in Colonial Spanish America.
  • مواد وزارة الثقافة والتنمية المعرفية الليبية المتعلقة بالزي والتراث التقليدي.

Leave a comment