معركة بئر بلال الثانية ضد الغزو الإيطالي 

تصميم فني يجسد صالح الأطيوش وفرسان المقاومة الليبية أمام الآليات الإيطالية المحطمة في معركة بئر بلال

بئر بلال الثانية… حين عاد الاحتلال للانتقام فوجد المقاومة في انتظاره

في أواخر أغسطس من عام 1923، عادت القوات الإيطالية إلى منطقة بئر بلال غرب أجدابيا، تحمل معها قوة أكبر ورغبة واضحة في الانتقام من واحدة من أقسى الهزائم التي لحقت بها على أيدي المجاهدين الليبيين.

لم تكن الأرض غريبة عليها، ولم تكن الذكريات بعيدة؛ فقبل ذلك بأسابيع، تحولت الصحراء المحيطة ببئر بلال إلى مقبرة للآليات العسكرية الإيطالية، وسجل المجاهدون هناك واحدة من أشهر صفحات المقاومة الليبية، حتى عُرفت الواقعة في الذاكرة الشعبية باسم معركة الكراهب.

وبين 28 أغسطس و3 سبتمبر 1923، بدأت فصول مواجهة جديدة عُرفت باسم معركة بئر بلال الثانية؛ معركة لا يمكن فهمها بعيدًا عن الانتصار الذي سبقها، ولا عن المشروع الإيطالي الرامي إلى السيطرة على أجدابيا والبريقة وفتح الطريق على طول الساحل الليبي.

لماذا كانت بئر بلال مهمة؟

بعد احتلال أجدابيا في أبريل 1923، سعت القوات الإيطالية إلى تحويل المدينة إلى قاعدة عسكرية تنطلق منها نحو مرسى البريقة، ثم إلى المناطق الواقعة في الداخل الليبي.

وكانت السيطرة على البريقة ذات أهمية عسكرية واستراتيجية؛ لأنها تتيح للاحتلال تأمين تحركاته على الساحل، وربط مواقعه، ومحاصرة حركة المجاهدين وقطع طرق إمدادهم.

لكن المنطقة المحيطة بأجدابيا لم تكن أرضًا مفتوحة أمام القوات الإيطالية. فقد كانت تنتشر فيها أدوار المجاهدين، الذين عرفوا الصحراء ومسالكها وآبارها، وأتقنوا الحركة السريعة والمباغتة والانسحاب وإعادة التجمع.

وكان من أبرز القادة المرتبطين بهذه المرحلة المجاهد صالح الكيلاني الأطيوش، قائد أحد أدوار المقاومة في منطقة أجدابيا، إلى جانب قادة ورجال من بينهم الفضيل المهشهش، وعبدالله قجة القرعاني، والفضيل بوعمر الأوجلي، وغيرهم ممن حفظت الذاكرة الليبية أسماءهم.

صالح الأطيوش… قائد رفض الاستسلام

كان صالح الكيلاني الأطيوش أحد أبرز قادة الجهاد الليبي ضد الاحتلال الإيطالي، وارتبط اسمه بمعارك امتدت من أجدابيا إلى سرت.

شارك في معركة القرضابية عام 1915، وكان ضمن قوات المجاهدين القادمة من شرق سرت، ثم واصل قيادة المقاومة في السنوات اللاحقة، وبرز اسمه في معارك بئر بلال والبريقة وغيرها.

وتؤكد دراسة تاريخية منشورة في مجلة العلوم الإنسانية بجامعة سبها مكانته بوصفه قائدًا للمقاومة في منطقة أجدابيا، كما توثق مشاركته في القرضابية وقيادته في معارك بئر بلال والكراهب والبريقة.

ولم تقتصر أهمية صالح الأطيوش على دوره العسكري؛ فقد عُرف أيضًا برفضه محاولات الاستسلام أو المصالحة التي كانت السلطات الإيطالية تستخدمها لتفكيك صفوف المقاومة.

وتنقل الدراسة عن الجنرال الإيطالي رودولفو غراتسياني اعترافه بأن المحاولات التي بُذلت لدفع الأطيوش إلى تسليم نفسه لم تنجح أمام إصراره على مواصلة المقاومة.

وهكذا أصبح اسم صالح الأطيوش جزءًا من تاريخ قائد لم يحصر معركته في الدفاع عن مكان بعينه، بل رآها دفاعًا عن ليبيا كلها.

بئر بلال الأولى… يوم تحطمت الآليات الإيطالية

في 10 يونيو 1923، تحركت قوة إيطالية من أجدابيا باتجاه بئر بلال والبريقة. وتختلف المصادر في تقدير حجمها وتفاصيل تشكيلها، لكنها تتفق على أنها كانت مدعومة بالمركبات والآليات العسكرية، وأن المجاهدين أعدوا لها كمينًا في منطقة يعرفون طبيعتها جيدًا.

عندما دخلت السيارات الإيطالية نطاق الكمين، انهمرت عليها نيران المجاهدين من مواقع متعددة، وتعطلت أعداد كبيرة من الآليات، وقُتل عدد من الضباط والجنود، واستولى المقاومون على أسلحة ومعدات.

ثم تعرضت قوة إيطالية أخرى لهجوم بالقرب من أبي قرادة ومرسى البريقة، لتتحول العملية التي خُطط لها باعتبارها تقدمًا عسكريًا سريعًا إلى هزيمة قاسية.

ومن كثرة السيارات والآليات التي دُمرت أو تُركت في ساحة القتال، اشتهرت الواقعة شعبيًا باسم معركة الكراهب.

ويرد في الرواية الشعبية شعر يخلّد منظر الآليات المحطمة:

صار يوم في الكراهب عاب عجلهن
أصابن بلا رادة وقطعوا هلهن

ولم تكن التسمية مجرد وصف لما ظهر فوق أرض المعركة؛ فقد أصبحت رمزًا لقدرة مقاتلين محدودي الإمكانات على مواجهة قوة استعمارية اعتمدت على المركبات والمدرعات والتفوق التقني.

لماذا عاد الإيطاليون؟

لم يكن بوسع القيادة الإيطالية أن تتجاهل حجم الهزيمة أو أثرها المعنوي والعسكري. فقد كشفت معركة يونيو أن السيطرة على أجدابيا لا تعني السيطرة على محيطها، وأن طرق التقدم نحو البريقة والداخل لا تزال عرضة لهجمات المجاهدين.

كما بقيت الآليات المحطمة وجثامين الجنود في منطقة المعركة شاهدًا على ما حدث، وهو ما زاد رغبة القيادة الإيطالية في استعادة الموقع ومحو أثر الهزيمة.

وخلال يوليو، كثف الطيران الإيطالي طلعاته وقصفه في المناطق المحيطة، مستهدفًا تجمعات السكان وممتلكاتهم ومواشيهم، في محاولة لإضعاف البيئة التي احتضنت المقاومة.

وفي 25 أغسطس، وصلت قوة إيطالية كبيرة إلى منطقة بئر بلال لجمع جثامين قتلاها ودفنها والاستعداد لإعادة احتلال الموقع.

ثم بدأت العمليات التي قادت إلى معركة بئر بلال الثانية، والتي تضعها عدد من المصادر بين 28 أغسطس و3 سبتمبر 1923.

بئر بلال الثانية

عاد الاحتلال هذه المرة بعد أن تعلّم من هزيمته السابقة، فحشد قوة أكبر واتخذ احتياطات عسكرية واسعة، مستفيدًا من الطيران والمركبات وتعدد محاور الحركة.

وفي المقابل، لم يغادر المجاهدون الميدان. فقد استمرت المقاومة ووقعت اشتباكات عنيفة أثناء تقدم القوات الإيطالية، وشارك فيها رجال خبروا القتال في الصحراء وعرفوا كيف يستفيدون من طبيعة الأرض.

وترتبط معركة بئر بلال الثانية في السير والروايات المحلية بأسماء عدد من المجاهدين، وفي مقدمتهم صالح الأطيوش والفضيل بوعمر الأوجلي ورفاقهما.

وبعد أيام من التحركات والاشتباكات، تمكنت القوات الإيطالية في 3 سبتمبر من دخول موقع بئر بلال بعد مواجهة استمرت عدة ساعات.

إن ذكر هذه النتيجة لا ينتقص من بطولة المجاهدين؛ بل يضع المعركة في سياقها الحقيقي. فقد واجه الليبيون قوة استعمارية تفوقت عليهم في العدد والسلاح والمركبات والطائرات، ومع ذلك أجبروا الاحتلال على العودة بحملة كبيرة إلى أرض كان يتوقع أن يعبرها بسهولة.

فالسيطرة على موقع بعد حشد واسع لا تمحو الهزيمة السابقة، ولا تلغي أن المقاومة عطلت خطط الاحتلال وأجبرته على دفع ثمن مرتفع مقابل كل خطوة.

معركتان وذاكرة واحدة

يقع خلط أحيانًا بين بئر بلال الأولى والثانية، ولذلك من المهم التمييز بينهما:

  • بئر بلال الأولى أو معركة الكراهب: وقعت في 10 يونيو 1923 وانتهت بانتصار كبير للمجاهدين وتدمير عدد من الآليات الإيطالية.
  • بئر بلال الثانية: ارتبطت بحملة الاحتلال للعودة إلى المنطقة، وامتدت عملياتها من أواخر أغسطس حتى 3 سبتمبر 1923.

لكن المعركتين تمثلان في الذاكرة الوطنية فصلًا واحدًا: محاولة الاحتلال السيطرة على الطريق بين أجدابيا والبريقة، ومقاومة الليبيين لذلك التوسع بما امتلكوه من رجال وخبرة وإيمان بحقهم في الدفاع عن وطنهم.

ويصف المؤرخ الليبي خليفة التليسي معركتي بئر بلال ومرسى البريقة بأنهما من أهم معارك الجهاد، لما تركتاه من أثر في مجرى الأحداث وتعطيل العمليات الإيطالية. ويمكن الرجوع إلى توثيقه في كتاب معجم معارك الجهاد في ليبيا 1911–1931.

التاريخ الذي يجب أن يصل إلى الأجيال

لا تكمن أهمية بئر بلال في عدد الآليات التي دُمرت فقط، ولا في أسماء القادة وحدهم، بل في المعنى الذي تحمله المعركة.

لقد أثبت المجاهدون أن معرفة الأرض والتنظيم والشجاعة تستطيع أن تواجه آلة عسكرية تتفوق في السلاح والعتاد. كما أثبتوا أن المقاومة الليبية لم تكن حوادث متفرقة، بل حركة وطنية امتدت عبر المدن والقرى والصحارى، وشارك فيها رجال من مختلف أنحاء البلاد.

ومن القرضابية إلى بئر بلال والبريقة، ومن معارك الجبل والصحراء إلى مدن الساحل والجنوب، كانت التضحيات تصب في مجرى واحد: الدفاع عن ليبيا وحق أهلها في الحرية.

وفي ذكرى بئر بلال الثانية، لا نستحضر الحرب من أجل إحياء العداوات، بل لنحفظ ذاكرة من وقفوا دفاعًا عن وطنهم، ولنعيد أسماء القادة والمجاهدين إلى مكانها الذي تستحقه في وعي الأجيال.

فكم معركة ليبية عظيمة ما زالت تنتظر من يوثقها؟ وكم اسمًا من أسماء المجاهدين يستحق أن يعود إلى ذاكرة أبنائنا؟

إعداد: المنصة العربية الرقمية – ArabOnes
نوثق تاريخ ليبيا… ونصل به إلى الأجيال والعالم.

Leave a comment