مطار الزنتان… مشروع تطوير نحو آفاق محلية ودولية
لا تبدأ قصة مطار الزنتان من مشروع جديد يُقام فوق أرض خالية؛ فالمطار موجود ويعمل منذ سنوات، واستقبل رحلات داخلية ورحلات مرتبطة بالحقول النفطية في مراحل مختلفة. لكن إمكاناته الحالية لم تكن كافية لتحقيق الطموح الأكبر: تحويله إلى مطار متكامل يستطيع خدمة نطاق جغرافي واسع، وفتح خطوط داخلية منتظمة، ثم الانتقال مستقبلًا إلى الرحلات الخارجية بعد استيفاء المتطلبات الفنية والتنظيمية.
ومن هنا تأتي أهمية أعمال التطوير والتوسعة الجارية؛ فهي لا تستهدف إعادة تشغيل مدرج فقط، وإنما بناء منظومة متكاملة تشمل المدرج والإنارة والملاحة الجوية وبرج المراقبة وصالات الركاب والأمن والسلامة وساحة الطائرات والخدمات الأرضية.
مطار قائم وليس مشروعًا من الصفر
يقع مطار الزنتان على مسافة تقارب 18 كيلومترًا من وسط المدينة، ويحمل رمز ZIS وفق اتحاد النقل الجوي الدولي، ورمز HLZN وفق منظمة الطيران المدني الدولي.
وتشير البيانات المنشورة إلى أن المطار يضم مدرجًا أسفلتيًا باتجاه 02/20، بطول يقارب 2750 مترًا. وقد استقبل عبر تاريخه رحلات ركاب تجارية ورحلات داخلية، إلى جانب الرحلات المخصصة لخدمة العاملين في الحقول النفطية.
وبحسب السجل المتداول للمطار، بدأت أعمال إنشائه الحديثة خلال عام 2011، ثم استقبل رحلة ركاب تجارية في أغسطس 2013، وتبع ذلك تشغيل رحلات لشركات طيران ليبية في سنوات لاحقة.
لكن عمل المطار لم يكن منتظمًا دائمًا؛ فقد مر بفترات توقف وعودة، كما تعثرت بعض مشروعاته نتيجة تأخر الشركات المنفذة أو نقص التمويل والظروف التي شهدتها البلاد.
لماذا لا يكفي وجود مدرج لتشغيل الرحلات الدولية؟
قد يعتقد البعض أن توسيع المدرج أو إطالته يكفي وحده لتحويل المطار إلى مطار دولي، لكن اعتماد الرحلات الخارجية يتطلب منظومة أكبر بكثير.
فطول المدرج وحالته وقدرته على تحمل أوزان الطائرات عناصر أساسية، إلا أن التشغيل الدولي يحتاج أيضًا إلى:
- أنظمة إنارة ليلية معتمدة للمدرج والممرات.
- أجهزة الملاحة والاتصالات والأرصاد الجوية.
- برج مراقبة مجهز ومؤهل.
- ساحة مناسبة لوقوف الطائرات وحركتها.
- خدمات الإطفاء والإنقاذ وفق الفئة المطلوبة.
- أنظمة الأمن والتفتيش وفحص الأمتعة.
- صالات منفصلة أو منظمة للمغادرة والوصول.
- مرافق للجوازات والجمارك والحجر الصحي.
- منظومة وقود وصيانة وخدمات أرضية.
- سياج أمني وطرق وبوابات دخول منظمة.
- كوادر مدربة وخطط طوارئ وتشغيل معتمدة.
- موافقة مصلحة الطيران المدني والجهات السيادية المختصة.
ولهذا أكدت إدارة مطار الزنتان في توضيح حديث أن اعتماد الرحلات الدولية لا يدخل ضمن صلاحيات إدارة المطار منفردة، بل يتطلب استيفاء شروط فنية وتنظيمية وقرارات من الجهات المختصة. إدارة مطار الزنتان.
رحلة التطوير لم تبدأ اليوم
تعود محاولات تطوير المطار للرحلات الدولية إلى سنوات سابقة. ففي يوليو 2017، أُعلن عن العمل على إنشاء مبانٍ إدارية وبرج للمراقبة وورش للصيانة، إلى جانب سير لنقل الحقائب ومبنى لجهاز المطافئ، مع توفير جهاز للملاحة الجوية، تنفيذًا لشروط وضعتها مصلحة الطيران المدني. وكالة الأنباء الليبية.
وفي عام 2018، زارت لجنة مختصة المطار واطلعت على جهاز الملاحة والمهبط والسياج وبرج المراقبة وصالة الرحلات الدولية وتجهيزات الأمن والسلامة وقسم الوقود والمخازن، ضمن إجراءات تقييم الجاهزية.
لكن عددًا من المشروعات واجه التعثر. ففي عام 2019، تناولت تقارير مصلحة المطارات تأخر تنفيذ مبنى المطافئ وساحة وقوف الطائرات والبوابة الرئيسية، بينما وصلت مشروعات أخرى، من بينها محطة وقود الطيران، إلى مراحل متقدمة أو إلى إنجاز كامل. بوابة الوسط.
تكشف هذه المراحل أن المطار لم يكن يفتقر إلى الرؤية، وإنما عانى من انقطاع التنفيذ وتعدد العقود وتغير الظروف. ولذلك فإن قيمة المشروع الحالي تكمن في جمع تلك المكونات ضمن خطة تشغيل متكاملة بدل معالجة كل مرفق بصورة منفصلة.
العودة إلى الرحلات
خلال عامي 2024 و2025، تجددت أعمال الصيانة والتجهيز ورفع الجاهزية، وشملت المرافق وصالة الركاب والمدرج والإنارة وغيرها من المتطلبات.
وفي أكتوبر 2025، استقبل مطار الزنتان أولى الرحلات بعد أعمال التطوير، ثم استؤنفت الرحلات بين الزنتان ومطار بنينا عبر شركة أويا للطيران، في خطوة اعتبرتها مصلحة المطارات انطلاقة فعلية لتوسيع شبكة الرحلات الداخلية. مصلحة المطارات.
كما شهد المدرج أول تجربة هبوط ليلي، وهي خطوة مهمة لاختبار الإنارة والاستعداد للعمل لفترات أطول بدل اقتصار التشغيل على ساعات النهار.
وتوضح إدارة المطار حاليًا أنه يواصل استقبال وتسيير رحلات الحقول النفطية بصورة أسبوعية، بالتزامن مع متابعة المتطلبات والتجهيزات اللازمة.
وبذلك يمكن وصف الوضع بدقة على النحو التالي: المطار يعمل، لكن عملية تطويره ورفع مستوى جاهزيته وتوسيع قدراته لم تنتهِ بعد.
محاور مشروع التطوير
أولًا: المدرج والإنارة الليلية
يمثل المدرج قلب المشروع. ولا تتعلق أعماله بالطول فقط، بل تشمل سلامة السطح، وقدرته على تحمل أنواع وأوزان مختلفة من الطائرات، ومناطق الأمان المحيطة به، والممرات الرابطة بساحة الوقوف.
وتسمح منظومة الإنارة الليلية بتوسيع ساعات التشغيل، وتحسين قدرة الطائرات على الهبوط والإقلاع في الظروف التي تسمح بها إجراءات السلامة.
ثانيًا: برج المراقبة والملاحة الجوية
لا يمكن تشغيل مطار بكفاءة من دون اتصالات ومراقبة ومعلومات جوية دقيقة. ولذلك تشمل عملية التطوير برج المراقبة وأجهزة الملاحة والاتصالات والأرصاد وتدريب العناصر التي تتولى إدارة الحركة الجوية.
وتزداد أهمية هذه التجهيزات عند التفكير في الرحلات المنتظمة والخارجية، لأنها تخضع لمتطلبات واعتمادات أكثر دقة.
ثالثًا: صالة الركاب والخدمات الدولية
المطار الدولي لا يحتاج إلى مبنى ضخم بالضرورة، لكنه يحتاج إلى صالة عملية ومجهزة تستطيع الفصل بين إجراءات السفر والوصول، وتنظيم حركة الركاب والأمتعة.
وتشمل المتطلبات سيور الحقائب وأجهزة التفتيش ومكاتب شركات الطيران والجوازات والجمارك، ومرافق الانتظار والخدمات الصحية ومساعدة كبار السن وذوي الإعاقة.
رابعًا: الأمن والسلامة والمطافئ
تعد خدمات الإطفاء والإنقاذ من أهم عناصر اعتماد أي مطار. ويجب أن تتناسب معدات المطافئ وعدد أفرادها واستجابتهم مع حجم الطائرات ونوع العمليات المستهدفة.
كما تشمل السلامة السياج الأمني والمراقبة والكاميرات والبوابات، وخطط التعامل مع الحوادث والطوارئ والتنسيق مع المستشفيات والجهات الأمنية.
خامسًا: ساحة الطائرات والوقود والخدمات الأرضية
تحتاج الطائرة بعد الهبوط إلى ساحة آمنة للوقوف، وخدمات للتزود بالوقود والأمتعة والصيانة ونقل الركاب.
ولهذا تدخل ساحة وقوف الطائرات ومحطة وقود الطيران والمخازن وورش الصيانة والبوابة الرئيسية وطرق الوصول ضمن الصورة الكاملة لتطوير المطار.
ما أهمية مطار الزنتان لليبيا؟
لا تقتصر فائدة المطار على سكان مدينة واحدة، بل يمكن أن يخدم نطاقًا واسعًا من المدن والمناطق، ويقلل المسافات التي يقطعها المواطنون للوصول إلى مطارات أخرى.
كما يمكن أن يسهم في:
- ربط مدن الجبل بطرابلس وبنغازي وسبها ومدن أخرى.
- خدمة رحلات الحقول النفطية والعاملين في قطاع الطاقة.
- تسهيل نقل المرضى والحالات الإنسانية.
- دعم السياحة الجبلية والصحراوية.
- تنشيط التجارة والخدمات والنقل السريع.
- فتح فرص عمل في الطيران والصيانة والأمن والخدمات.
- تخفيف الضغط عن المطارات الرئيسية.
- تيسير رحلات الحج والعمرة مستقبلًا بعد استيفاء الشروط.
وفي أكتوبر 2025، ناقشت جهات محلية وشركة أويا إمكانية فتح خطوط داخلية وخارجية، إلى جانب رحلات الحج والعمرة. لكن هذه الخطط تظل مرتبطة بالاعتمادات الفنية والتنظيمية واستدامة التشغيل، وليست إعلانًا بأن الرحلات الدولية أصبحت متاحة بالفعل.
ما الذي يحتاجه المشروع حتى ينجح؟
نجاح التطوير لا يُقاس بصورة افتتاح أو هبوط رحلة تجريبية فقط، وإنما بقدرة المطار على العمل بصورة منتظمة وآمنة ومستدامة.
ويتطلب ذلك:
- استكمال المشروعات دون توقف جديد.
- إعلان واضح عن الأعمال ونسب الإنجاز.
- الحصول على الاعتمادات الفنية اللازمة.
- توقيع اتفاقات تشغيل واقعية مع شركات الطيران.
- توفير ميزانية للصيانة لا للإنشاء فقط.
- تدريب الكوادر المحلية واستمرار التأهيل.
- تطوير الطريق المؤدي إلى المطار وخدمات النقل.
- دراسة الطلب الحقيقي على كل خط جوي قبل إطلاقه.
مشروع يحتاج إلى الاستمرار
مطار الزنتان ليس مطارًا جديدًا، كما أنه ليس بعدُ مطارًا دوليًا مكتمل المتطلبات. والحقيقة تقع بين الوصفين: هو مرفق قائم يؤدي بعض المهام، ويمر بمراحل تطوير تهدف إلى توسيع قدرته ورفع مستوى تشغيله.
وإذا اكتملت أعمال المدرج والإنارة والملاحة والسلامة والصالات والخدمات الأرضية، ثم استوفى المطار متطلبات الاعتماد، فقد يتحول إلى بوابة جوية مهمة تخدم مساحة واسعة وتدعم حركة الاقتصاد والنقل داخل ليبيا وخارجها.
إن بناء المطارات لا يكتمل بالإسفلت والمباني وحدهما؛ بل يكتمل بالتشغيل المنتظم والصيانة والسلامة والثقة.
فما الخطوط الداخلية التي ترون أنها الأكثر أهمية لمطار الزنتان؟ وهل ينبغي أن تكون رحلات الحج والعمرة أولى خطواته نحو التشغيل الخارجي؟
إعداد: المنصة العربية الرقمية – ArabOnes
نتابع مشروعات ليبيا… ونربط الخبر برؤية التنمي

Leave a comment