القبور المسمارية في ليبيا

القبور المسمارية في ليبيا… هندسة جنائزية واحدة من الصحراء إلى جزر المتوسط؟ 🇱🇾✋

🔹 تكشف الصور الجوية للصحراء الليبية عن منشآت حجرية ضخمة تتكون غالبًا من دائرة أو ركام مركزي، يمتد منه ممر طويل يمنح البناء هيئة تشبه المفتاح أو المسمار. ويُطلق على هذا الطراز في الدراسات الأثرية اسم المدافن ذات الشكل المفتاحي، بينما تُعرف محليًا باسم القبور المسمارية.

هذه المنشآت ليست مجرد أكوام عشوائية من الحجارة؛ بل عمارة جنائزية مقصودة تتطلب تخطيطًا وجمعًا للمواد وتنظيمًا للعمل، وقد تكون استُخدمت أيضًا علاماتٍ للهوية والمكان ومسارات الحركة في الصحراء.

🔹 تنتشر المعالم الحجرية الجنائزية في مناطق واسعة من الصحراء الكبرى، وبعض التقاليد الحجرية الصحراوية يرجع إلى العصر الحجري الحديث. لكن تحديد عمر كل قبر ليبي يحتاج إلى تنقيب وفحص ودراسة ميدانية؛ لذلك لا يمكن اعتماد رقم 10 آلاف سنة لكل النماذج المصورة دون تأريخ مباشر، وإن كان تاريخ العمارة الحجرية والطقوس الجنائزية في الصحراء يمتد فعلًا إلى آلاف السنين قبل الميلاد.

👈 والمثير أن أشكالًا شديدة التقارب تظهر في شمال غرب الجزيرة العربية، ولا سيما في خيبر والعُلا والحائط. وقد سجل علماء الآثار أكثر من 17,800 مدفن ذي ذيل حجري في مناطق الدراسة، ارتبط نحو 11 ألفًا منها بما سُمّي «الطرق الجنائزية». وتعود النماذج المؤرخة منها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، أي إلى نحو 4500 سنة.

تتألف هذه المدافن العربية كذلك من دائرة حجرية مركزية يتصل بها ذيل أو ممر، وقد شكلت شبكات واسعة ربطت الواحات والمراعي ومواطن الاستقرار القديمة. وهذا يؤكد أن الجزيرة العربية لم تكن فضاءً معزولًا أو خاليًا من العمران، بل احتضنت مجتمعات منظمة تركت مشهدًا أثريًا ضخمًا لم يبدأ الكشف عن حجمه الحقيقي إلا بالتصوير الجوي والأقمار الصناعية.

👈 وعلى الضفة الشمالية للمتوسط يظهر بئر سانتا كريستينا المقدس في جزيرة سردينيا، وهو معلم من الحضارة النوراغية يرجع إلى أواخر العصر البرونزي، قبل نحو ثلاثة آلاف سنة. ومن الجو يبدو محيطه الخارجي قريبًا من الشكل المفتاحي، لكنه يختلف في وظيفته؛ فهو معبد مائي يتكون من ردهة ودرج هابط وحجرة جوفية تحمي عين الماء، وليس قبرًا بالمعنى المعروف.

وهنا تكمن أهمية المقارنة: فنحن لا نقول إن المواقع الثلاثة متطابقة في الوظيفة أو التاريخ، وإنما نلاحظ تكرار لغة هندسية رمزية تجمع الدائرة بالممر أو المدخل، وتضع المركز المقدس في نهاية مسار واضح. فهل انتقلت هذه الفكرة مع حركة البشر والتجارة والملاحة؟ أم كانت رمزًا مشتركًا للموت والبعث والماء ودورة الحياة؟ أم أن جماعات مختلفة توصلت إلى التصميم نفسه بسبب تشابه الوظيفة والبيئة؟

🔹 وفي سردينيا أيضًا يوجد مذبح مونتي دكودي المدرّج، الذي شُيدت مرحلته الأولى تقريبًا بين 3200 و2800 قبل الميلاد، أي قبل الحضارة النوراغية. ويشبه في هيئته العامة المعابد المدرجة في بلاد الرافدين، حتى إن بعض الباحثين يقارنه بالزقورات، مع بقاء أصل العلاقة واتجاهها موضع بحث ونقاش.

إن انتشار الدائرة والممر والركام الحجري والبناء المدرج بين ليبيا والصحراء والجزيرة العربية وجزر المتوسط لا يثبت بمفرده أن جميع هذه الآثار بناها شعب واحد؛ لكنه كذلك لا يسمح بتصوير تلك المناطق بوصفها عوالم منفصلة. لقد تحرك الإنسان القديم عبر البر والبحر، وانتقلت معه الرموز والطقوس والمعارف، وكانت ليبيا والجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق أطرافًا فاعلة في شبكات العالم القديم، وليست مجرد مناطق تلقت الحضارة من الشمال.

🇱🇾 من حقنا اليوم أن نعيد قراءة آثار ليبيا داخل محيطها الصحراوي والعربي والمتوسطي، وأن نختبر فرضية انتقال بعض المعارف والرموز من الجنوب والشرق نحو جزر المتوسط. ولكن حماية هذا التاريخ تبدأ بتوثيق المواقع وتنقيبها وتأريخها، حتى تتحول الصور المدهشة من أسئلة مفتوحة إلى معرفة أثرية راسخة.

فهل نحن أمام تشابه هندسي مستقل، أم أمام أثر باقٍ من ذاكرة حضارية قديمة ربطت ليبيا والجزيرة العربية بجزر المتوسط؟

المصادر: دراسة جامعة أستراليا الغربية للطرق والمدافن الجنائزية في الجزيرة العربيةالموقع الثقافي الرسمي لسردينيا: بئر سانتا كريستيناالموقع الثقافي الرسمي لسردينيا: مذبح مونتي دكوديدراسة علمية عن اتجاهات المعالم الجنائزية الصحراوية

الصورة تصميم مقارن مستلهم من صور جوية للمواقع، هدفه عرض التشابه الهندسي، ولا يمثل وحده إثباتًا لوحدة التاريخ أو المنشئ.

المنصة العربية الرقمية | ArabOnes
ArabOnes.com

Leave a comment