
**هل يمكن زراعة الحمادة الحمراء؟
من حصاد المياه إلى الزيتون والسدر وصناعة العسل 🇱🇾**
من ينظر إلى امتداد الحمادة الحمراء قد يراها أرضًا صخرية قاسية لا تصلح إلا للرعي، لكن القراءة المتأنية لطبيعتها تكشف إمكانات تنموية مختلفة. فالحمادة ليست سطحًا واحدًا؛ بل تتخللها أودية ومنخفضات ومسارات قديمة لمياه الأمطار، وتوجد تحت أجزاء واسعة منها خزانات جوفية يمكن أن تصبح أساسًا لمشروعات زراعية محسوبة.
تقع المنطقة ضمن حوض الحمادة–غدامس، أحد أهم الأحواض الجوفية في شمال غرب ليبيا، وتوجد مياهه في خزانات من الصخور الجيرية والحجر الرملي. غير أن جانبًا من هذه المياه عميق وأحفوري ضعيف التجدد، ولذلك لا تكون التنمية بحفر الآبار عشوائيًا، وإنما بدراسة كل موقع وتحليل مياهه وتحديد إنتاجية البئر ومعدل السحب الآمن.
🔹 **البداية من الأودية وليست من قلب السطح الصخري**
الأودية أكثر قابلية للزراعة، لأن تربتها أعمق من الهضاب الصخرية وتستقبل مياه السيول وما تحمله من رواسب. ويمكن إقامة حواجز ترابية وحجرية صغيرة لإبطاء الجريان، وحفر خزانات لتجميع مياه الأمطار، وإنشاء مصاطب تقلل انجراف التربة وتزيد تسرب الماء نحو الخزان الجوفي.
بهذه الطريقة لا نحاول تحويل الحمادة كلها إلى أرض خضراء بصورة غير واقعية، بل نُحيي مواقعها القابلة للإنتاج وننشئ حولها أحزمة زراعية متدرجة.
🌿 **الزيتون والتين والنخيل في مقدمة الخيارات**
الزيتون من أكثر الأشجار ملاءمة للبيئة الجافة وشبه الجافة، ويتحمل الحرارة ونقص المياه بدرجة أفضل من الحمضيات. ويمكن زراعته في الأودية ذات التربة العميقة نسبيًا باستخدام الري بالتنقيط ومصدات الرياح.
ويأتي التين خيارًا مهمًا لقدرته على التكيف مع المناخ الجاف والتربة الكلسية، مع ضرورة توفير ري منتظم خلال مرحلة تأسيس الأشجار. أما النخيل فيمكن أن ينجح في المواقع الأدفأ التي يتوفر فيها ماء جوفي مناسب وتربة جيدة الصرف.
والهدف ليس فقط إنتاج الثمار؛ بل إنشاء وحدات صغيرة للعصر والتجفيف والتعبئة، حتى تتحول الزراعة إلى نشاط اقتصادي يوفر فرص عمل ودخلًا مستمرًا للسكان.
🍯 **السدر والطلح… مشروع بيئي واقتصادي لصناعة العسل**
تنتشر أشجار وشجيرات الطلح بصورة طبيعية في أجزاء من الحمادة، ويمكن حمايتها وتنميتها بدل تركها للرعي الجائر والقطع. كما يمكن غرس السدر في الأودية والمواقع التي تتوفر فيها تربة ومياه مناسبة.
وتؤدي هذه الأشجار عدة وظائف في وقت واحد: تثبيت التربة، مقاومة التصحر، توفير الظل والمرعى، حماية المزارع من الرياح، وتكوين مراعي طبيعية للنحل.
ومع تنظيم مواسم الرعي وإقامة مناحل متنقلة، يمكن للحمادة أن تنتج عسل السدر والطلح والأعشاب الصحراوية باعتباره منتجًا ليبيًا عالي القيمة، يربط التشجير بحماية البيئة وتحسين دخل المربين والأسر المنتجة.
🐑 **الزراعة والرعي مشروع واحد**
لا ينبغي أن تلغي المزارع نشاط الرعي التاريخي في المنطقة، بل يمكن دمجه معها. فمخلفات تقليم الزيتون والنخيل وبعض الزراعات العلفية تساعد في تغذية الأغنام والإبل، بينما يُستخدم السماد الحيواني في تحسين التربة الفقيرة.
ويمكن إقامة نقاط مياه منظمة، ومظلات للحيوانات، وعيادات بيطرية صغيرة، مع تحديد مناطق للرعي بالتناوب حتى تستعيد النباتات الطبيعية قدرتها على التجدد.
💧 **النصيحة الأهم: نبدأ بمشروع نموذجي**
قبل الحديث عن آلاف الهكتارات، يمكن اختيار وادٍ قريب من طريق ومصدر كهرباء أو أحد الحقول والمنشآت القائمة، ثم تنفيذ مشروع تجريبي يضم:
🔸 بئرًا خضع لاختبار الضخ وتحليل الملوحة والعناصر الضارة.
🔸 نظامًا لحصاد مياه الأمطار والسيول.
🔸 ريًا بالتنقيط يعمل جزئيًا بالطاقة الشمسية.
🔸 مساحات من الزيتون والتين والنخيل للمقارنة.
🔸 أحزمة من السدر والطلح ومصدات الرياح.
🔸 منحلًا نموذجيًا ووحدة صغيرة لتعبئة العسل.
🔸 مساحة منظمة للأعلاف وتربية الأغنام والإبل.
🔸 محطة لمراقبة المناخ ورطوبة التربة ومنسوب المياه.
بعد موسمين أو ثلاثة يمكن معرفة الأشجار الأعلى إنتاجًا، وكلفة كل متر مكعب من الماء، ومدى استدامة البئر، ثم يُتخذ قرار التوسع على أساس النتائج لا التوقعات.
أما الحمضيات، فيمكن تجربتها في مساحة محدودة إذا كانت المياه منخفضة الملوحة والموقع محميًا من الصقيع والرياح، لكنها أكثر احتياجًا للماء وحساسية للملوحة من الزيتون والتين والنخيل، ولذلك لا نضعها في مقدمة المشروع قبل نجاح التجارب الميدانية.
**الحمادة الحمراء ليست أرضًا ميتة، ولا المطلوب أن نحولها كلها إلى غابة. المطلوب أن نستثمر أوديتها ومياهها ومراعيها بعلم، وأن نبني نقاطًا إنتاجية تجمع الزراعة والرعي والعسل والطاقة الشمسية. ومن هذه النقاط يمكن أن تنشأ مزارع وفرص عمل وتجمعات مستقرة تعيد الحياة إلى مساحة استراتيجية واسعة من ليبيا.**
إنها فكرة تستحق أن تدرسها المؤسسات المختصة والبلديات والمؤسسة الوطنية للنفط والشركات العاملة في المنطقة، ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية والتنمية المستدامة.
المصادر: [منظمة الأغذية والزراعة – ملف المياه في ليبيا](https://openknowledge.fao.org/server/api/core/bitstreams/4a130983-22a9-497c-b5ac-562dce64e236/content) – [أطلس المياه الجوفية في ليبيا](https://earthwise.bgs.ac.uk/index.php/Hydrogeology_of_Libya) – [المركز الدولي لتقييم موارد المياه الجوفية](https://un-igrac.org/data/country-profiles/libya/) – [إرشادات الفاو لجودة مياه الري والملوحة](https://www.fao.org/4/t0234e/t0234e00.htm)
**المنصة العربية الرقمية | ArabOnes**
**ArabOnes.com**
Leave a comment