مرعي بن غانم الأعمى… حين تحفظ الأرض ذاكرة السيرة

مرعي بن غانم الأعمى… حين تحفظ الأرض ذاكرة السيرة

في جنوب الزنتان، حيث تمتد الأودية وتتناثر بقايا الأبنية القديمة فوق التلال، يقف موقع سانية الذويب شاهدًا على طبقات متراكمة من تاريخ ليبيا؛ مكانٌ عرف الماء والاستقرار منذ عصور بعيدة، ثم حفظت الذاكرة الشعبية حوله اسم رجل ما يزال حاضرًا في روايات الأجداد:

مرعي بن غانم الأعمى.

تروي الروايات المحلية أن مرعي بن غانم كان من الميامين المزاريع من بني زغبة من بني سليم، وأنه أقام في تلك المنطقة، وكانت له فيها بئر وأرض، ثم توفي ودُفن بالقرب منها. ومن هنا أصبح اسمه مرتبطًا بسانية الذويب وبعدد من العائلات والفروع المنتشرة في الزنتان ومناطق أخرى من ليبيا.

ولا تقف جاذبية هذه الرواية عند اسم الرجل وحده؛ فحين نضعها بجوار الموروث العربي الأشهر، تلفت انتباهنا أسماء تتكرر بصورة مثيرة للتأمل.

من مرعي بن غانم إلى دياب بن غانم

تحفظ السيرة الهلالية اسم الأمير دياب بن غانم الزغبي، أحد أبرز فرسان بني زغبة وقادة الرحلة الكبرى نحو المغرب. ويظهر دياب في الرواية الشعبية إلى جانب أبي زيد الهلالي وحسن بن سرحان والجازية الهلالية، بوصفه فارسًا قويًا وصاحب رأي وقيادة.

أما في الرواية الليبية، فنجد اسم مرعي بن غانم مقترنًا هو الآخر ببني زغبة، وبالاستقرار في المناطق الممتدة بين الزنتان ومزدة والأودية المحيطة بها.

هل كان مرعي من ذرية بيت دياب بن غانم أو من سلالته القريبة؟ أم أن «بن غانم» أصبح اسمًا متكررًا داخل الفروع الزغبية؟ أم أن الذاكرة الشعبية احتفظت بالأسماء وأعادت ترتيبها مع مرور القرون؟

لا نملك وثيقة فاصلة تجيب عن ذلك، لكن التشابه بين الاسم والنسب والمجال الجغرافي والموروث المتداول يجعل المسألة بابًا مهمًا للبحث، ويمنح الرواية قيمة لا ينبغي إهمالها أو التعامل معها باعتبارها مجرد حكاية عابرة.

فالسيرة الهلالية نفسها لم تكن كتابًا واحدًا ثابتًا، بل روايات متعددة نقلها الرواة من الجزيرة العربية إلى مصر وليبيا وتونس وغيرها، وتغيرت بعض تفاصيلها بين منطقة وأخرى، بينما بقيت أسماء أبطالها ورحلتهم الكبرى حية في وجدان الناس. وتعد المصادر الثقافية دياب بن غانم من الشخصيات المركزية في هذه السيرة. الموسوعة العربية

قصر الخفاجي عامر… اسم من السيرة فوق أرض ليبية

وإذا غادرنا سانية الذويب متجهين نحو الطريق الممتد بين مزدة ونسمة، وجدنا موقعًا آخر يحمل اسمًا لا يقل إثارة:

قصر الخفاجي عامر.

تقول الرواية الشعبية إن الخفاجي عامر استضاف نجوع بني هلال في أثناء رحلتها غربًا. وهو اسم معروف في بعض روايات السيرة الهلالية، وارتبطت قصته بدياب بن غانم وبالصراعات والتحالفات التي تتعدد تفاصيلها من رواية إلى أخرى.

لكن علم الآثار يكشف لنا طبقة أقدم في المكان؛ فالموقع يضم بقايا مبنى محصن وكنيسة قديمة ذات تخطيط بازيليكي، تقع على تل يبعد نحو 25 كيلومترًا شرقي مزدة. وهذا يعني أن البناء أقدم من زمن التغريبة، بينما يبدو أن اسم الخفاجي عامر والرواية المرتبطة به أضيفا إلى ذاكرة المكان في مرحلة تاريخية لاحقة. الدليل الأثري لآثار طرابلس الغرب

وهذا ليس تناقضًا، بل مثال جميل على الطريقة التي تعمل بها الذاكرة الشعبية: البناء قديم، والاسم أحدث، لكن الحكاية أصبحت جزءًا أصيلًا من تاريخ المكان كما حفظه الناس.

وادي ميمون… اسم آخر على طريق الذاكرة

إلى الشرق والجنوب الشرقي من مزدة تمتد شبكة من الأودية القديمة، ومن بينها وادي ميمون، الذي ارتبط في المصادر الجغرافية باسم قصر ابن ميمون، ويُعد من الروافد الجنوبية الغربية لحوض وادي سوف الجين. دراسة تاريخية عن إقليم طرابلس

وهنا يعود اسم «ميمون» ليلتقي مع الروايات التي تصف مرعي بن غانم بأنه الميموني المزروعي، ومع انتشار اسم الميامين في الزنتان ومزدة وغريان ووادي الشاطئ.

ولا يكفي تشابه الاسم وحده لإثبات أن الوادي سُمّي نسبة إلى الأسرة نفسها، لكنه يمنحنا خيطًا آخر يستحق الجمع والدراسة: مرعي الميموني، وادي ميمون، سانية الذويب، مزدة، ثم الطرق القديمة المؤدية إلى الداخل الليبي.

إنها ليست نقطة واحدة، بل سلسلة أسماء تتوزع على مسار جغرافي متقارب.

قصبات مزدة ودرج… عمارة رافقت طرق الصحراء

وفي مزدة ودرج ومناطق أخرى من الداخل الليبي تظهر القصبات والمباني الطينية المحصنة: أبراج مرتفعة ذات فتحات صغيرة، وجدران سميكة، ومساحات خُصصت للسكن والتخزين والحماية.

ويلفت تصميم بعض هذه القصبات النظر إلى شبه واضح مع أنماط من العمارة الطينية والحصون والأبراج القديمة في الجزيرة العربية، وخاصة الأبنية التي قامت في البيئات الجافة وعلى طرق القوافل.

لا يعني هذا أن كل قصبة ليبية نُقلت حرفيًا من الجزيرة العربية أو بُنيت في زمن التغريبة؛ فالعمارة الصحراوية قد تتشابه بسبب المناخ والمواد والحاجة إلى الدفاع والتخزين. لكن وجود هذا الشبه، إلى جانب الروايات المرتبطة بهجرات بني هلال وبني سليم، يجعل القصبات جزءًا من صورة ثقافية أوسع تستحق الدراسة والمقارنة.

ربما حملت القبائل معها بعض تقاليد البناء، وربما التقت تلك التقاليد بعمارة ليبية أقدم، فنشأ منها طراز محلي يجمع بين خبرة الأرض وذاكرة القادمين إليها.

حين يتحول الطريق إلى سجلّ مفتوح

سانية الذويب، قصر الخفاجي عامر، وادي ميمون، وقصبات مزدة ودرج ليست مجرد مواقع متفرقة على الخريطة.

إنها صفحات من سجل مفتوح، اجتمعت فيه:

آثار رومانية ومبانٍ أقدم من التغريبة.
طرق ماء وزراعة وقوافل.
استقرار قبائل عربية في الداخل الليبي.
أسماء بني زغبة وبني سليم.
أصداء دياب بن غانم والخفاجي عامر.
ورواية مرعي بن غانم الأعمى التي حفظها الأحفاد.

قد لا تمنحنا الرواية الشعبية التواريخ الدقيقة التي تطلبها الكتب، لكنها تحفظ أحيانًا ما لا تحفظه الوثائق: اسم الرجل، وموضع البئر، ومسار الرحلة، واسم الوادي، والحكاية التي انتقلت من جد إلى حفيد.

ولهذا لا نقدّم هذه الخيوط بوصفها حكمًا نهائيًا، ولا نستخدمها لإثارة خلاف في الأنساب؛ بل نحفظها تراثًا ليبيًا وعربيًا مشتركًا، ونضعها أمام الباحثين والأجيال القادمة.

فقد تكون أسماء مثل مرعي بن غانم، ودياب بن غانم، الخفاجي عامر، ميمون والذويب بقايا متناثرة من قصة واحدة كبرى، فرّقتها القرون، وظلت الأرض تحفظ شواهدها حتى اليوم.

برأيكم: هل تمثل هذه الأسماء المتقاربة ذاكرة حقيقية لمسارات الهجرة العربية، أم أن السيرة الشعبية أعادت تسمية المواقع القديمة بأسماء أبطالها؟

#من_تاريخنا #مرعي_بن_غانم #دياب_بن_غانم #بني_زغبة #بني_سليم #السيرة_الهلالية #سانية_الذويب #الزنتان #مزدة #درج #قصر_الخفاجي_عامر #وادي_ميمون #القصبات #التراث_الليبي #تاريخ_ليبيا #ArabOnes

Leave a comment