
أحمد بن فضلان… العربي الذي سجّل عالم الشمال قبل أكثر من ألف عام
في سنة 309هـ/921م، غادر أحمد بن فضلان بغداد ضمن بعثة أرسلها الخليفة العباسي المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة على نهر الفولغا.
لم يكن ابن فضلان يعرف أن الرسالة التي دوّن فيها مشاهداته ستصبح، بعد أكثر من ألف عام، واحدة من أهم الوثائق التي يعتمد عليها الباحثون لفهم شعوب شمال أوروبا وآسيا في عصر الفايكنغ.
فبينما كانت أخبار الشمال تصل إلى العالم في صورة حكايات وأساطير متفرقة، سافر رجل عربي إلى تلك الأصقاع، وشاهد أهلها وأسواقها وطقوسها وكتب عنها بصوت شاهد عيان:
«هذا ما شاهدته في بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة…»
كانت الرحلة بعثة دينية ودبلوماسية، لكنها تحولت على يد ابن فضلان إلى سجل حيّ لعالم واسع يمتد من بغداد، مروراً بخوارزم وبلاد الترك، حتى حوض الفولغا في قلب روسيا الحالية.
رحلة إلى أرض يتجمد فيها الكلام
واجه ابن فضلان برداً لم يعرفه في بغداد، ووصف قسوته بعبارات تجمع بين الدقة وقوة التصوير. فقد كان الثلج يكسو الأرض والأنهار، والإنسان لا يستطيع السير بعيداً من شدة البرد.
ومن عباراته اللافتة:
«كأن آذاننا جرار مملوءة ثلجاً»
ووصف كيف تجمد نهر جيحون حتى أصبحت القوافل والدواب تعبر فوقه، وكيف بدت الأرض في بعض المراحل كأنها باب من أبواب الزمهرير.
وفي أقصى الشمال لاحظ ظاهرة الليالي القصيرة، حتى إن المسافر يكاد ينتهي من صلاة المغرب ويستعد للعشاء قبل أن يلوح الفجر. كما وصف أضواء وحركات غريبة في السماء تشبه جيوشاً متقابلة؛ ويربط عدد من الباحثين وصفه اليوم بظاهرة الشفق القطبي. وتصفه طبعة «رحلة إلى الفولغا» بأنه سجّل الليالي البيضاء والشفق القطبي إلى جانب مشاهداته الاجتماعية. جامعة نيويورك – رحلة ابن فضلان إلى الفولغا
الشعوب التي قابلها ابن فضلان
لم تكن الأراضي الشمالية شعباً واحداً؛ فقد التقى ابن فضلان جماعات وقبائل متعددة، من بينها:
- الغُز والترك.
- البجناك.
- الباشغرد.
- البلغار أو الصقالبة على نهر الفولغا.
- الخزر.
- الروس الذين ارتبطوا بالتجارة عبر أنهار أوروبا الشرقية.
وقد سجّل اختلاف ملابسهم وأطعمتهم ومعتقداتهم وطرائق دفنهم وتنظيمهم الاجتماعي، ولم يكتفِ بوصف الملوك والحروب، بل لاحظ التفاصيل اليومية الصغيرة التي كثيراً ما تغيب عن كتب التاريخ الرسمي.
عندما رأى الروس للمرة الأولى
بلغ ابن فضلان نهر الفولغا، وهناك شاهد جماعة من التجار الذين سماهم الروسية أو الروس. وتربط القراءة التاريخية السائدة بينهم وبين جماعات إسكندنافية كانت تتاجر عبر أنهار أوروبا الشرقية، مع احتمال وجود عناصر أخرى ضمن جماعاتهم.
وكان أول ما أثار دهشته طول أجسامهم وحسن بنيتهم، فقال:
«رأيت الروسية… كأنهم النخل»
ووصفهم بأنهم طوال القامة، شقر أو حمر الوجوه، ويحمل كل رجل منهم فأساً وسيفاً وسكيناً.
كما لاحظ رسوماً داكنة تمتد على أجسادهم، فقال إن الرجل منهم يحمل رسوماً:
«من أخمص قدمه إلى عنقه»
ويرى كثيرون في هذا الوصف واحداً من أقدم النصوص التي تتحدث عن الوشم أو الرسوم الجسدية عند جماعات الروس المرتبطة بعصر الفايكنغ.
الإعجاب بالقوة والصدمة من النظافة
لم يكن ابن فضلان مادحاً ولا كارهاً في كل ما رآه؛ فقد جمع بين الإعجاب ببنيتهم الجسدية والاستنكار الشديد لبعض عاداتهم.
فبعد أن وصفهم بكمال الأجسام والطول، انتقد طريقتهم في النظافة واستخدام جماعة كاملة لإناء واحد في غسل الوجوه والشعر. ومن عباراته القاسية عنهم:
«هم أوسخ خلق الله»
لكن هذه العبارة تعكس أيضاً زاوية نظر رجل مسلم جاء من مجتمع له قواعد صارمة في الطهارة والاغتسال. ولذلك لا ينبغي أن تُقرأ وحدها بوصفها حكماً مطلقاً على جميع شعوب الشمال.
وتوجد مصادر عربية أخرى قدمت صوراً مختلفة لبعض جماعات الروس؛ مما يؤكد أن ابن فضلان كان يصف الجماعة التي قابلها في مكان وزمن محددين، لا كل سكان شمال أوروبا.
جنازة زعيم روسي… المشهد الذي خلدته الرسالة
أهم ما تركه ابن فضلان هو وصفه التفصيلي لجنازة رجل من كبار الروس.
وضعوا الميت مؤقتاً في قبر، بينما شرعوا في إعداد ملابسه وسفينته. ثم أخرجوه وألبسوه أفخر الثياب، ووضعوه داخل خيمة نُصبت فوق السفينة، وأحاطوه بالطعام والشراب والأسلحة.
وقدّموا معه حيوانات وذبائح، ثم وقعت طقوس تضحية قاسية بفتاة اختارت—بحسب الرواية—أن تموت مع سيدها.
وبعد اكتمال المراسم أُضرمت النار في السفينة حتى تحولت هي والرجل وكل ما وُضع فيها إلى رماد.
وسأل ابن فضلان رجلاً من الروس عن سبب إحراق الميت، فجاءه جواب يكشف اختلافاً عميقاً في تصور الموت بين الثقافتين: أن العرب يضعون موتاهم في الأرض، بينما يحرق الروس عظيمهم حتى يصل سريعاً إلى الجنة.
هذه ليست حكاية أُضيفت بعد قرون، بل شهادة كتبها رجل رأى الطقس بعينيه. ولهذا أصبحت رسالته مصدراً رئيسياً في دراسة طقوس الدفن المرتبطة بالروس والفايكنغ. وتوضح مصادر متحف سفن الفايكنغ أن غالبية النصوص المعاصرة عنهم جاءت من خارج إسكندنافيا، وأن شهادة ابن فضلان من أبرز روايات الرحالة العرب. متحف سفن الفايكنغ
لماذا تعد رسالته مهمة لتاريخ شمال أوروبا وآسيا؟
لم تكن الكتابة التاريخية منتشرة في المجتمعات الإسكندنافية بالصورة المعروفة في العالمين العربي والإسلامي أو المسيحي. وقد بقيت نصوصهم المعاصرة محدودة، مثل النقوش الرونية القصيرة، بينما دُوّن كثير من الملاحم الإسكندنافية بعد عصر الفايكنغ بقرون.
ولهذا اكتسبت رسالة ابن فضلان أهميتها؛ فهي شهادة تعود إلى القرن العاشر، وتصف جماعات كانت تتحرك على شبكة هائلة من الأنهار وطرق التجارة بين بحر البلطيق وبحر قزوين والعالم الإسلامي.
كما تكشف الرسالة أن شمال أوروبا وآسيا لم يكونا عالمين معزولين؛ فقد وجدت العملات الفضية العربية في مواقع كثيرة من شمال وشرق أوروبا، وكانت تجارة الفراء والعسل والشمع والمعادن وغيرها تربط الفولغا وآسيا الوسطى والخلافة العباسية بطرق الشمال.
وتشير جامعة أوبسالا إلى أن هذه الاتصالات لم تنقل البضائع والعملات فقط، بل نقلت الملابس والأسلحة والمهارات والمعرفة بين شعوب الشمال وبلاد الفولغا وآسيا الوسطى. جامعة أوبسالا
كانت بغداد آنذاك مركزاً حضارياً يصل صداه إلى مناطق نائية، وكان ابن فضلان جزءاً من ذلك التواصل الذي يكشف أن العالم القديم كان أكثر ترابطاً مما نتصوره.
يأجوج ومأجوج في رحلة ابن فضلان
من أكثر المقاطع إثارة في الرسالة حديث ابن فضلان عن رجل شاهده في بلاد الصقالبة، كان هائل الجسم على نحو لافت، فسألهم عن خبره.
فأخبروه أن هذا الرجل من يأجوج ومأجوج، وأن بينهم وبين قومه مسيرة أشهر، ويفصلهم بحر وتحيط بهم الجبال.
ثم نقل ابن فضلان روايات سمعها عن أولئك القوم وطريقة معيشتهم واعتمادهم على سمكة عظيمة يقذفها البحر إليهم، فيأخذون منها حاجتهم ثم تعود إلى الماء.
المهم هنا أن ابن فضلان لم يقل إنه وصل بنفسه إلى أرض يأجوج ومأجوج؛ بل دوّن ما أخبره به أهل البلاد بعد أن شاهد الرجل الغريب وسأل عنه. وهذا يضع أمامنا مستويين:
- المشاهدة المباشرة للرجل وضخامة جسمه.
- الرواية التي نقلها أهل المنطقة عن أصله وبلاده.
تقول الرواية الرسمية إن هذه الأخبار تعكس الموروث الديني والجغرافي الذي كان منتشراً في ذلك العصر، وربما خلط بين جماعات بشرية بعيدة وبين أخبار يأجوج ومأجوج.
أما القراءة الأخرى فتسأل: لماذا ربط أهل تلك الأصقاع الرجل بقوم يسكنون خلف بحر وتحيط بهم الجبال؟ وهل كانت الحكاية مجرد أسطورة متداولة، أم ذاكرة شعبية لجماعة بشرية حقيقية مجهولة الهوية؟
يمكن قراءة النص في النسخة العربية المنشورة من رسالة ابن فضلان. رسالة ابن فضلان – النص العربي
من رسالة ابن فضلان إلى فيلم «المقاتل الثالث عشر»
عاد اسم ابن فضلان إلى الجمهور العالمي من خلال فيلم The 13th Warrior – المقاتل الثالث عشر الصادر سنة 1999، وأدى فيه أنطونيو بانديراس شخصية الرحالة العربي، كما شارك عمر الشريف في الفيلم.
استند الفيلم إلى رواية «أكلة الموتى» للكاتب الأمريكي مايكل كرايتون، الذي مزج بين شخصية ابن فضلان ورحلته الحقيقية وبين أحداث ملحمة بيوولف الإسكندنافية.
تبدأ الفكرة من شخصية تاريخية حقيقية: رسول عربي يلتقي برجال الشمال ويشاهد جنازة أحد زعمائهم. ثم تنتقل القصة إلى الخيال، فيرافق ابن فضلان ثلاثة عشر محارباً للدفاع عن قوم يهاجمهم عدو غامض.
وتوضح صفحة مايكل كرايتون الرسمية أن الرواية تتخيل ابن فضلان مرافقاً مجموعة من محاربي الفايكنغ إلى بلادهم سنة 922م. الموقع الرسمي لمايكل كرايتون
إذن الفيلم ليس تجسيداً حرفياً للرحلة، وأحداث المحاربين الثلاثة عشر والمعارك تنتمي إلى الرواية والخيال السينمائي. لكن قيمته تكمن في أنه أعاد إلى الذاكرة العالمية شخصية عربية حقيقية كانت حاضرة في تدوين تاريخ الشمال.
ومن أجمل أفكار الفيلم أن ابن فضلان لم ينتصر بالقوة الجسدية وحدها؛ بل بالكتابة واللغة والقدرة على الملاحظة. المحاربون خاضوا معاركهم ثم رحلوا، أما الرجل الذي حمل القلم فقد حفظ جانباً من عالمهم بعد أكثر من ألف سنة.
رجل واحد أنقذ تاريخ أمة أخرى من النسيان
ربما لم يتخيل أحمد بن فضلان وهو يكتب ملاحظاته أن علماء الآثار والمؤرخين سيعودون إليها بعد قرون لفهم ملابس الروس وأسلحتهم وتجارتهم ووشومهم وعاداتهم وطقوس موتهم.
إنها قوة التدوين:
قد تنتهي الرحلة، ويموت شهودها، وتتغير أسماء الشعوب والبلاد؛ لكن الكلمة المكتوبة تستطيع عبور ألف عام.
لم يكن ابن فضلان مجرد مسافر عربي وصل إلى الشمال، بل كان عيناً حضارية راقبت وسألت وقارنت ودوّنت. وبفضل رسالته أصبح جزء من تاريخ شمال أوروبا وآسيا معروفاً للعالم من خلال قلم عربي جاء من بغداد.
ويبقى السؤال الذي تفتحه رحلته:
كم من أخبار الشعوب والأراضي البعيدة وصل إلى رحالتنا العرب ثم فُقد، وكم من أسرار العالم القديم ما زالت نائمة في مخطوطات لم تُقرأ بعد؟
✍️ من إعداد وتحرير ArabOnes – المنصة العربية الرقمية
🌐 arabones.com
Leave a comment