طبرق في الحسابات الصينية… بوابة تربط إفريقيا بآسيا وأوروبا؟

تصور لمشروعات صينية محتملة في طبرق تشمل الميناء والمصفاة والسكك الحديدية وربط ليبيا بإفريقيا وآسيا وأوروبا

طبرق في الحسابات الصينية… بوابة تربط إفريقيا بآسيا وأوروبا؟

تعود مدينة طبرق إلى واجهة الاهتمام الدولي، ليس بوصفها ميناءً نفطيًا ومدينة ساحلية فحسب، بل باعتبارها موقعًا مرشحًا لإنشاء مركز اقتصادي ولوجستي ضخم يربط شمال إفريقيا بالبحر الأحمر وآسيا والأسواق الأوروبية.

ففي يوليو 2025، نشر موقع «SinoSage» تقريرًا تحدث فيه عن رؤية صينية واسعة لتحويل طبرق إلى قاعدة رئيسية للطاقة والنقل والتجارة في شمال إفريقيا، من خلال حزمة استثمارات قد تتجاوز قيمتها الإجمالية 50 مليار دولار.

مصفاة وميناء ومركز لوجستي

بحسب التقرير، تتضمن الرؤية إنشاء مصفاة نفطية عملاقة بتكلفة تقارب 10 مليارات دولار، وبطاقة قد تصل إلى 500 ألف برميل يوميًا، على أن يوجّه جزء كبير من منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية.

كما تشمل المقترحات تطوير ميناء طبرق وتحويله إلى مركز لإعادة الشحن والتخزين وتموين السفن، مع إنشاء أرصفة حديثة للحاويات وخزانات للمشتقات النفطية ومرافق جمركية ولوجستية متكاملة.

وتنبع أهمية طبرق من موقعها القريب من مصر وجنوب أوروبا، ومن وجودها بالقرب من مناطق إنتاج النفط وخطوط نقله، فضلًا عن إمكانية ربطها مستقبلًا بالأسواق الإفريقية الداخلية.

السكك الحديدية… الجزء الأقرب إلى الواقع

تتضمن الرؤية أيضًا مد خط سكة حديد يربط بنغازي وطبرق بمنفذ امساعد، ثم بالشبكة المصرية وصولًا إلى مرسى مطروح والعين السخنة على البحر الأحمر.

وإذا نُفذ هذا الربط، فقد يتحول شرق ليبيا إلى جزء من ممر تجاري يبدأ من البحر المتوسط، ويمر عبر مصر والبحر الأحمر، ثم يتصل بخطوط التجارة القادمة من آسيا.

ويُعد مشروع السكك الحديدية الجزء الأكثر تقدمًا من الناحية العملية؛ إذ وقّعت جهات ليبية مذكرات تفاهم مع شركات صينية، ثم اتُفق في مايو 2026 على تشكيل لجان مشتركة لمناقشة تفعيل العقود والمشروعات المتوقفة.

مطار العدم والاستخدام المزدوج

من أكثر عناصر المقترح حساسية تطوير مطار العدم قرب طبرق ليصبح مركزًا للشحن الجوي والتزود بالوقود، مع إمكانية استخدامه للأغراض المدنية والعسكرية.

وقد أثار هذا الجانب قراءات تتحدث عن قلق أمريكي وأوروبي من احتمال منح الصين موطئ قدم لوجستيًا قريبًا من الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي.

لكن لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي من حلف الناتو يعترض على مشروع صيني محدد في طبرق، كما لم تُعلن اتفاقية لإنشاء قاعدة عسكرية صينية؛ ولذلك ينبغي النظر إلى هذا الجانب بوصفه احتمالًا جيوسياسيًا، لا حقيقة منجزة.

الاتصالات والتمويل

تحدثت التقارير كذلك عن مشاركة شركة هواوي في تطوير شبكة اتصالات حديثة، وإنشاء مصرف ليبي للطاقة والتعدين يمكن أن يساهم في استقطاب التمويل الصيني للمشروعات الكبرى.

غير أن نجاح هذه الخطط يتطلب الحصول على الموافقات المصرفية والرقابية، وضمان خضوع شبكات الاتصالات وحركة الأموال للسيادة والقوانين الليبية.

هل أصبحت حزمة الـ50 مليار دولار مؤكدة؟

رغم أهمية ما ورد في تقرير «SinoSage»، فإن الموقع عبارة عن نشرة تحليلية مستقلة منشورة عبر منصة Substack، وليس وكالة رسمية تابعة للحكومة الصينية.

كما اعتمد التقرير على «مصادر داخل ليبيا» لم يكشف هويتها، ولم ينشر عقودًا أو وثائق رسمية تؤكد اعتماد الحزمة كاملة.

لذلك لا يمكن القول حتى الآن إن الصين وقّعت صفقة نهائية بقيمة 50 مليار دولار، أو إن مصفاة الـ500 ألف برميل دخلت مرحلة التنفيذ.

والأدق أن نتحدث عن رؤية استثمارية واسعة قيد الدراسة والتفاوض، تضم مشروعات متفاوتة في درجة تقدمها؛ فمنها ما وصل إلى مذكرات تفاهم واجتماعات رسمية، ومنها ما يزال مقترحًا متداولًا في التقارير.

اهتمام صيني حقيقي بليبيا

بعيدًا عن الأرقام غير المؤكدة، فإن عودة الصين إلى ليبيا أصبحت حقيقة واضحة.

ففي سبتمبر 2024، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إقامة شراكة استراتيجية بين البلدين، وأكدت بكين استعدادها للمشاركة في إعادة إعمار الاقتصاد الليبي.

كما استؤنفت الاتصالات مع شركات صينية في مجالات السكك الحديدية والطاقة والإعمار والاتصالات، وأُطلق خلال عام 2026 مسار بحري جديد يربط ميناء تشينغداو الصيني بموانئ في مصر وليبيا.

فرصة تحتاج إلى رؤية وطنية

يمكن لهذه المشروعات، إذا نُفذت بشروط متوازنة، أن تساعد ليبيا على تطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية، وبناء صناعات التكرير والبتروكيماويات، وتوفير فرص العمل وتحويل البلاد إلى بوابة للتجارة بين إفريقيا وأوروبا وآسيا.

لكن تحقيق ذلك يتطلب أن تكون الاتفاقات تحت إشراف المؤسسات السيادية الليبية، وأن تُعلن مصادر التمويل والضمانات، وتُفرض نسب واضحة للعمالة المحلية ونقل التكنولوجيا، وألا تحصل أي دولة أجنبية على سيطرة حصرية على الموانئ أو المطارات أو موارد الطاقة.

الخلاصة

تمتلك طبرق المقومات التي تؤهلها لتصبح مركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا مهمًا في شرق المتوسط، كما أن الاهتمام الصيني بليبيا حقيقي ومتزايد.

لكن حزمة الـ50 مليار دولار ما تزال، وفق المعلومات المتاحة، رؤية تتكون من مقترحات ودراسات ومذكرات تفاهم، وليست مشروعًا واحدًا مكتمل التمويل والتنفيذ.

ويبقى التحدي أمام ليبيا هو تحويل التنافس الدولي على موقعها ومواردها إلى تنمية وطنية حقيقية: موانئ وسكك حديدية وصناعات ووظائف ومعرفة، تحت سيادة الدولة ولمصلحة جميع الليبيين.

من إعداد ArabOnes – المنصة العربية الرقمية

Leave a comment