سالم بن عبدالنبي الناكوع… فارس القبلة وقائد معركة قارة سبها

تصميم تاريخي للشيخ المجاهد سالم بن عبدالنبي الناكوع ومجاهدي ليبيا أثناء اقتحام قلعة قارة سبها في 28 نوفمبر 1914م

سالم بن عبدالنبي الناكوع… فارس القبلة وقائد معركة قارة سبها

حين نتأمل تاريخ الجهاد الليبي ضد الاحتلال الإيطالي، نجد رجالًا لم يتخرجوا في الكليات العسكرية، ولم يمتلكوا جيوشًا نظامية أو أسلحة متطورة، لكنهم امتلكوا معرفة دقيقة بالصحراء، وقدرة فطرية على القيادة، وإيمانًا لا يتزعزع بحقهم في الدفاع عن وطنهم.

ومن بين هؤلاء يبرز اسم الشيخ المجاهد سالم بن عبدالنبي الناكوع الزنتاني، أحد أشهر قادة المقاومة في منطقة القبلة وفزان، والرجل الذي ارتبط اسمه بمعركة قارة سبها سنة 1914م، وهي المعركة التي أسهمت في انهيار الوجود العسكري الإيطالي في فزان خلال الحملة الأولى.

النشأة في بوادي القبلة

وُلد سالم بن عبدالنبي بن علي الناكوع في يناير سنة 1867م تقريبًا، بالقرية الغربية، التي تُعرف اليوم ضمن منطقة القريات جنوب الجبل الغربي.

نشأ في بيئة بدوية تعتمد على الرعي والزراعة والتنقل في مسالك الصحراء، وتعلّم في صغره شيئًا من القرآن، قبل أن تجذبه حياة الفروسية والصحراء. وبحسب الكتاب الذي خصّصه عبدالوهاب محمد الزنتاني لسيرته، فقد أتقن ركوب الخيل واستعمال البندقية في سن مبكرة، واشتهر بدقة التصويب وسرعة الحركة وقوة الملاحظة.

لم يكن قائدًا عسكريًا بالمعنى النظامي، لكنه امتلك الصفات التي يحتاجها قتال الصحراء: معرفة الدروب والآبار، وإخفاء التحركات، والمباغتة، وتنظيم المحلات المقاتلة، واتخاذ القرار السريع.

رجل عرفه خصومه قبل أصدقائه

تقدم المصادر الإيطالية صورة لافتة عن شخصية سالم بن عبدالنبي. فقد وصفه العقيد الإيطالي بيلاردينيللي، صاحب كتاب «القبلة»، بأنه زعيم مرموق، حاد الذكاء، جريء وشجاع، وذو قدرة كبيرة على تنظيم المحلات المقاتلة.

ورغم أن الكتابات الاستعمارية كانت تصف المجاهدين عادةً بعبارات عدائية وتحاول التقليل من دوافعهم الوطنية، فإن اعترافها بقدرات سالم العسكرية يكشف مقدار القلق الذي سببه للقوات الإيطالية.

وتذكر هذه المصادر أن اسمه برز بصورة خاصة عند اقتحام قارة سبها سنة 1914م، وأنه كان من أبرز مدبري العملية وقادتها.

من معارك طرابلس إلى الجبل والقبلة

مع بداية الغزو الإيطالي سنة 1911م، شارك سالم بن عبدالنبي ضمن محلات المجاهدين القادمة من الزنتان ومنطقة القبلة في الدفاع عن طرابلس وضواحيها.

وتنسب إليه المصادر المشاركة في عدد من معارك المرحلة الأولى، ومنها معارك الهاني وعين زارة وسواني بن آدم، ثم ظهر ضمن القيادات المقاومة في معركة جندوبة سنة 1913م إلى جانب عدد من قادة الجبل والقبلة.

غير أن اسمه سيصبح أكثر حضورًا بعد انتقال مركز الصراع إلى الجنوب، حيث كانت القوات الإيطالية تحاول إخضاع فزان والسيطرة على الطرق الواصلة بينها وبين الساحل.

ما قبل قارة سبها

تمكنت حملة العقيد الإيطالي أنطونيو مياني في مطلع سنة 1914م من الوصول إلى فزان واحتلال سبها ومرزق ومناطق أخرى، بعد معارك قاسية كان أبرزها معركة محروقة في ديسمبر 1913م، التي استشهد فيها المجاهد محمد بن عبدالله البوسيفي.

لكن السيطرة الإيطالية على الجنوب لم تكن مستقرة. فقد بقيت مجموعات المجاهدين تتحرك في الصحراء، وتعيد تنظيم نفسها وتبحث عن فرصة لضرب المراكز العسكرية الإيطالية.

كان مقر القوات الإيطالية في سبها قائمًا فوق مرتفع يعرف باسم القارة، ولهذا تسمى الواقعة «معركة قارة سبها». وترد في بعض المصادر أيضًا باسم معركة القاهرة أو «قاهرة سبها»، وهو اسم ارتبط بالحصن أو المقر العسكري القائم على المرتفع.

التخطيط للمعركة

يروي عبدالوهاب الزنتاني أن المجاهدين اجتمعوا وناقشوا مهاجمة موقعين رئيسيين: قارة سبها وأوباري. وكان عددهم الإجمالي يقارب ثلاثمائة مجاهد، فتولى سالم بن عبدالنبي قيادة المجموعة المتجهة إلى القارة، بينما قاد المهدي كنيفو القوة المتجهة نحو أوباري.

قدّر سالم أن إسقاط القارة سيكسر مركز القيادة الذي تعتمد عليه القوات الإيطالية في المنطقة. وتشير الرواية إلى أنه قاد قرابة مئتي مقاتل، واختار منهم مجموعة صغيرة لتنفيذ عملية التسلل إلى القلعة وفتح الطريق أمام بقية القوة.

اعتمدت الخطة على المفاجأة ومعرفة تضاريس الموقع، وعلى تنفيذ الهجوم قبل أن تتمكن الحامية من تنظيم دفاعها أو استخدام المدافع والرشاشات.

فجر الثامن والعشرين من نوفمبر

بدأ تحرك المجاهدين مساء 27 نوفمبر 1914م، بينما تم الاقتحام واكتملت السيطرة فجر 28 نوفمبر. ولهذا يظهر التاريخان في بعض الروايات، لكن 28 نوفمبر هو التاريخ الأكثر ارتباطًا بالانتصار وسقوط الحصن.

وصل سالم ورجاله إلى أعلى القارة قرابة الرابعة فجرًا، واندلع القتال داخل الموقع. وبحسب الرواية التي جمعها عبدالوهاب الزنتاني من أبناء المجاهدين وشهود تلك المرحلة، باغت الهجوم الحامية قبل أن تتمكن من الاستعداد الكامل، وانتهى خلال ساعات بالسيطرة على القلعة.

وغنم المجاهدون بنادق ومدافع ورشاشات وذخائر ومؤنًا كانت القوات الإيطالية قد خزنتها في الموقع، فأصبحت هذه الغنائم مصدرًا مهمًا لتسليح مجموعات جديدة من المقاومين.

ويؤكد خليفة التليسي أن سقوط قارة سبها وضع القوات الإيطالية الموجودة في فزان في موقف شديد الصعوبة، بينما تذكر دراسات حديثة أن المعركة كانت امتدادًا للمقاومة التي قادها محمد بن عبدالله البوسيفي ورفاقه قبل استشهاده.

معركة غيّرت الموقف في فزان

لم تكن أهمية قارة سبها في سقوط حصن واحد فقط، بل في النتائج التي ترتبت عليها.

فبعد سقوط القارة ونجاح الهجوم على أوباري، أصبحت الحاميات الإيطالية الموزعة في فزان مهددة بالعزلة. وتذكر المصادر أن العقيد مياني عدل عن عملياته، وبدأ الانسحاب نحو الشمال، ثم صدرت الأوامر إلى بقية القوات الإيطالية بإخلاء مواقعها والتراجع باتجاه الساحل.

يشير الطاهر الزاوي في «جهاد الأبطال في طرابلس الغرب» إلى أن سقوط قاهرة سبها وأوباري جعل وضع الحاميات الإيطالية في فزان بالغ الصعوبة. كما يذكر كتاب سالم بن عبدالنبي أن قيادة مياني انسحبت من مرزق في ديسمبر 1914م، وتواصل التراجع حتى وصلت القوات المنسحبة إلى الساحل.

ولا يصح تاريخيًا القول إن قارة سبها وحدها صنعت كل الانتصارات التي جاءت بعدها؛ فقد شاركت عوامل وقيادات وقبائل ومعارك عديدة في تغيير الموقف. لكن يمكن القول إنها كانت ضربة عسكرية ومعنوية كبيرة، وأسهمت في إطلاق موجة أوسع من المقاومة انتهت بانحسار القوات الإيطالية نحو الساحل، ثم جاءت معركتا وادي مرسيط والقرضابية سنة 1915م لتعمقا هذا الانكسار.

استمرار المقاومة

لم تتوقف مسيرة سالم بن عبدالنبي عند معركة القارة. فقد واصل نشاطه في الجبل والقبلة والصحراء خلال مراحل متعاقبة من الجهاد.

شارك في مقاومة حملات «إعادة الاحتلال» الإيطالية، وظهر اسمه في معارك الوخيم والجوش سنة 1922م، حين واجه المجاهدون قوات تفوقهم عددًا وعتادًا ومدعومة بالطائرات.

كما ارتبط اسمه بمعارك الطابونية ووادي الخيل سنة 1924م. وتشير المصادر إلى أن المجاهدين بعد معركة الطابونية هاجموا القوات الإيطالية في وادي الخيل، وأوقعوا بها خسائر، قبل أن تلجأ إيطاليا إلى استخدام الطائرات والقنابل والغازات السامة ضد تجمعاتهم.

ويُنسب إليه كذلك الاشتراك مع محمد فكيني الرجباني ومحمد بن حسن المشاي وغيرهما في مواجهة حامية بئر علاق سنة 1929م، ضمن سلسلة المواجهات الأخيرة التي شهدتها منطقة القبلة.

بين الميدان والشعر الشعبي

لم يكن سالم بن عبدالنبي فارسًا ومقاتلًا فقط، بل نُسبت إليه قصائد شعبية عبّر فيها عن موقفه من الظلم والجهاد والحنين إلى وطنه.

ومن أشهر المعاني التي ارتبطت بشعره أن الظلم تجب مقاومته مهما كانت هوية صاحبه، وأن من يموت دفاعًا عن أهله وماله وأرضه يموت شهيدًا.

وفي غربته بتونس، صوّر في قصيدة طويلة ألم الرحيل واشتياقه إلى العودة، وذكر ابنه صالحًا وشقيقه وصديقه الذين تركهم في الأسر، كما استحضر فرسان بلاده وتمنى أن يرى الاحتلال يزول عنها.

وبذلك تحولت أشعاره إلى سجل شعبي موازٍ للوثائق العسكرية، يحتفظ بمشاعر المجاهد وأحوال الهجرة والأسرة والحنين إلى الوطن.

الهجرة إلى تونس

مع اشتداد الحصار الإيطالي وانحسار المقاومة المسلحة، اضطر سالم بن عبدالنبي إلى مغادرة ليبيا نحو الجنوب التونسي قرابة سنة 1930م.

استقر في منطقة دوز، وظل يتنقل بين مناطق الجنوب التونسي، محافظًا على نمط حياته الصحراوية. وتشير سيرة عبدالوهاب الزنتاني إلى أنه قضى في المهجر نحو أربعة عشر عامًا، ورفض العودة ما دام الاحتلال الإيطالي قائمًا في ليبيا.

وعلى الرغم من اختياره رئيسًا فخريًا لجمعية تعنى بشؤون المهاجرين الليبيين، بقي بعيدًا عن حياة المدن، يعتمد على نفسه وعلى ما يملكه من إبل وزرع، ثم اضطر ابنه إلى العمل للمساعدة في توفير متطلبات المعيشة.

العودة الأخيرة

بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية وانتهاء سيطرتها على ليبيا، عاد سالم بن عبدالنبي إلى وطنه في بداية سنة 1944م.

اتجه أولًا إلى إدري في وادي الشاطئ لترتيب شؤونه واستعادة أملاكه، ثم عاد إلى مسقط رأسه في القرية الغربية. لكنه لم يعش طويلًا بعد العودة، إذ توفي بعد فترة قصيرة ودُفن في مقبرة القرية الغربية بالقريات.

وهنا توجد ملاحظة مهمة: النص المتداول يجعل وفاته في أواخر سنة 1943م، بينما يقول كتاب عبدالوهاب الزنتاني إنه عاد في بداية 1944م ثم توفي بعد عودته. ولأن الكتاب اعتمد على مقابلات مباشرة مع أبنائه، فإن سنة 1944م تبدو الأرجح، مع بقاء تاريخ الوفاة الدقيق بحاجة إلى وثيقة رسمية حاسمة.

فارس القبلة الذي لم يستسلم

تمثل سيرة سالم بن عبدالنبي صورة للقائد الصحراوي الذي حوّل معرفته بالأرض والفروسية وحركة القبائل إلى قوة عسكرية واجهت جيشًا حديثًا.

لم تكن مسيرته خالية من التعقيدات أو اختلاف الروايات، لكن المصادر الليبية والإيطالية تتفق على شجاعته وذكائه وقدرته على تنظيم المقاتلين، وعلى دوره المحوري في اقتحام قارة سبها.

وحين عاد إلى وطنه بعد أربعة عشر عامًا من الغربة، عاد دون أن يوقع استسلامًا للاحتلال الذي أمضى جانبًا كبيرًا من حياته في مقاومته.

رحم الله الشيخ سالم بن عبدالنبي الناكوع، ورحم رفاقه وكل من حمل السلاح دفاعًا عن حرية ليبيا وكرامة أهلها.

هل تعتقدون أن معركة قارة سبها نالت مكانتها التي تستحقها في الذاكرة التاريخية الليبية؟

المصادر

Leave a comment