عبدالعاطي الجرم… الفارس الذي قاتل من الزويتينة إلى قصر حمد، وجعل جسده ساترًا لرفاقه

المجاهد عبدالعاطي الجرم في غلاف رمزي يوثق مسيرته في مقاومة الاحتلال الإيطالي واستشهاده في معركة السبت سنة 1922م.

عبدالعاطي الجرم… الفارس الذي قاتل من الزويتينة إلى قصر حمد، وجعل جسده ساترًا لرفاقه

في تاريخ الجهاد الليبي رجالٌ صنعتهم المعارك، لكن أوراق المؤرخين لم تحفظ من سيرتهم إلا القليل. ظلّت أسماؤهم حيةً في قصائد الشعراء، وفي روايات الرفاق، وفي ذاكرة العائلات والمناطق التي شهدت جهادهم.

ومن أولئك الرجال المجاهد عبدالعاطي الجرم؛ الفارس الذي ارتبط اسمه بمعارك امتدت من شرق ليبيا إلى غربها، وقاتل في صفوف المقاومة منذ السنوات الأولى للغزو الإيطالي، حتى استشهد في معركة السبت بقصر حمد سنة 1922م.

لم يكن عبدالعاطي رجل معركة واحدة، ولا مجاهدًا بقي أسير منطقته؛ بل قطع المسافات حيث كان نداء الجهاد، وحمل بندقيته في الزويتينة والقرضابية وسواني بن آدم ومصراتة، حتى صارت سيرته جزءًا من الذاكرة الوطنية الليبية الجامعة.

من وديان شرق سرت

ينتمي عبدالعاطي الجرم إلى قبيلة الحسون التي استقرت في وديان شرق سرت، وتذكر بعض السير المتداولة أنه وُلد قرابة سنة 1862م.

المادة المكتوبة عن سنواته الأولى محدودة، وتختلط فيها الأخبار المدونة بالرواية الشفوية، لكن المصادر المتاحة تتفق على ظهوره فارسًا وقائدًا ميدانيًا في مقاومة الاحتلال الإيطالي، وعلى امتداد حركته بين مناطق متعددة من ليبيا.

لم يكن الرجل من أصحاب الخطب الطويلة ولا المناصب السياسية البارزة، بل كان من رجال الميدان الذين تُعرف أسماؤهم عند اشتداد القتال، ويعتمد عليهم القادة في المهمات الصعبة.

منذ وصول الغزو الإيطالي

عندما ظهرت السفن الإيطالية على سواحل ليبيا في أكتوبر 1911م، حمل عبدالعاطي الجرم السلاح، وانضم إلى المجاهدين الذين رفضوا تسليم البلاد.

وتنسب إليه الروايات المحلية المشاركة في معارك عديدة، من بينها معارك الزويتينة وحيشان اجبيل، ثم معركة القرضابية، وسواني بن آدم، والنوائل، وعدد من المواجهات التي دارت في غرب ليبيا.

وقد حفظ الشعر الشعبي جانبًا من حضوره في معركة حيشان اجبيل، فجاء في إحدى الروايات:

عيّلت علي والجرم يا حباني
اداعوا عالطليان في حيشاني

والبيت كما وصلنا من الرواية الشعبية يحتاج إلى ضبط نصه وسياقه، لكنه يكشف أن اسم الجرم لم يبق محصورًا في سجلات الأسر، بل دخل مبكرًا في ذاكرة الشعر الذي كان الليبيون يوثقون به رجالهم ومعاركهم.

وكان الشعر الشعبي في زمن الجهاد أكثر من وسيلة للتسلية؛ فقد حفظ أسماء الشهداء، ووصف مواقع القتال، ونقل أخبار المعارك بين المناطق حين كانت وسائل التوثيق محدودة والصحافة خاضعة لرقابة المحتل.

فارسٌ بين ميادين ليبيا

تقدم سيرة عبدالعاطي الجرم صورةً للمجاهد الليبي الذي لم يرَ المعركة قضية مدينة أو قبيلة، بل قضية وطن.

بدأت أخباره من مناطق شرق سرت والزويتينة، ثم ظهر اسمه في معارك الوسط والغرب، وقاتل إلى جانب رجال المقاومة في مصراتة وما حولها. وبعد اشتداد المواجهة مع الإيطاليين، أصبح من الفرسان الذين يعتمد عليهم المجاهد سعدون السويحلي في الميدان.

وترد إشارة إلى عبدالعاطي الجرم ضمن دراسة أكاديمية منشورة في مجلة كلية التربية بجامعة سرت، في سياق تحركات القوات والمراسلات المرتبطة بتلك المرحلة، وهو ما يعزز حقيقة حضوره العسكري والتنظيمي، بعيدًا عن التفاصيل التي أضافتها الذاكرة الشعبية لاحقًا. مجلة كلية التربية – جامعة سرت

لقد كانت المقاومة الليبية شبكةً من الرجال والقبائل والمعسكرات المتحركة، ولم تكن جبهةً ثابتة ذات خطوط واضحة. وكان على الفرسان أن يقطعوا الصحراء، ويحملوا الأخبار والسلاح والمؤن، وينتقلوا إلى موضع الخطر حيث تدعو الحاجة.

وفي هذا العالم ظهر عبدالعاطي الجرم رجلًا سريع الحركة، شديد البأس، حاضرًا في الخطوط الأمامية.

القرضابية… يوم اجتمعت بنادق ليبيا

تذكر السير المتداولة لعبدالعاطي الجرم أنه شارك في معركة القرضابية سنة 1915م، وهي من أعظم معارك الجهاد الليبي، إذ اجتمعت فيها قوى المقاومة من مناطق وقبائل متعددة، وتلقى الجيش الإيطالي هزيمةً قاسية غيّرت ميزان الصراع.

وإذا كانت الوثائق المتاحة على شبكة الإنترنت لا تقدم لنا سجلًا كاملًا بأسماء كل من شارك في القرضابية، فإن تكرار اسم الجرم في الروايات المحلية المرتبطة بالمعركة ينسجم مع مسار حياته وانتقاله بين شرق البلاد وغربها.

والقرضابية لم تكن انتصار مدينة أو قبيلة؛ كانت يومًا اجتمعت فيه ليبيا ببنادق رجالها. ومن هنا تكتسب مشاركة عبدالعاطي معناها: فارس خرج من بيئته المحلية، ثم أصبح جزءًا من مقاومة وطنية امتدت عبر البلاد.

موقفه في مفاوضات بني آدم

لم يكن عبدالعاطي الجرم يثق بوعود الإيطاليين ولا باللغة التي حاولوا فرضها على المجاهدين في المفاوضات.

وتروي الذاكرة الشعبية أنه حضر جانبًا من مفاوضات بني آدم سنة 1919م، وأن أحد الإيطاليين تحدث بطريقة فهم منها مساواة المحتل بأصحاب الأرض، فثار عبدالعاطي وقال مستنكرًا:

«وي! نتساوى أنا والرومي؟»

وتضيف رواية متداولة أنه صفع أحد المفاوضين الإيطاليين عندما تطاول على المجاهدين، ثم طالب رفاقه بمغادرة المجلس.

لا تتوفر بين أيدينا وثيقة إيطالية أو محضر رسمي يثبت جميع تفاصيل حادثة الصفعة؛ ولذلك نقدمها بوصفها رواية شعبية متداولة، لا واقعةً موثقة توثيقًا قطعيًا.

لكن بقاء القصة في الذاكرة طوال هذه العقود يكشف الصورة التي حفظها الناس للرجل: فارس يرفض الذل، ولا يرى للمحتل حقًا يساويه بصاحب الأرض.

بين الاتفاق والمقاومة

كانت السنوات التالية للحرب العالمية الأولى شديدة التعقيد. جرت مفاوضات واتفاقات، وتعددت المواقف، وحاول الإيطاليون استغلال الخلافات وإضعاف معسكرات الجهاد من الداخل.

وفي تلك الظروف كان عبدالعاطي الجرم أقرب إلى منطق البندقية منه إلى الثقة بوعود المحتل. وتذكر الروايات أنه وقف مع القادة والفرسان الرافضين لتسليم السلاح أو تفكيك قوة المقاومة.

لم يكن رفضه نابعًا من حب الحرب، بل من تجربة رجل عرف طبيعة المشروع الاستعماري، ورأى أن الإيطاليين يستخدمون الاتفاقات لكسب الوقت، ثم يعودون إلى التوسع والقمع عندما تتغير موازين القوة.

ولهذا استمر في القتال، وبقي مع رجال المقاومة حتى المواجهة الأخيرة.

مع سعدون السويحلي

ارتبط اسم عبدالعاطي الجرم في المرحلة الأخيرة من حياته بالمجاهد سعدون السويحلي، الذي واصل المقاومة في مصراتة وما حولها بعد تعثر الاتفاقات وتجدد الهجوم الإيطالي.

كان سعدون يحتاج إلى رجال يعرفون الأرض، ويملكون الشجاعة والخبرة والقدرة على الصمود في مواجهة جيش يمتلك المدافع والأسلحة الحديثة.

وكان عبدالعاطي واحدًا من أولئك الفرسان.

لم يكن مجرد مقاتل بين الصفوف، بل تذكره بعض الروايات بوصفه من معاوني سعدون الميدانيين ومن الرجال الذين يعتمد عليهم في المهمات الصعبة.

وهنا تبرز قيمة الرجل الحقيقية: لم يبحث عن زعامة مستقلة، ولم يجعل اسمه فوق راية الجهاد، بل ظل يؤدي دوره في المعركة حتى النهاية.

معركة السبت في قصر حمد

في يوم السبت 11 فبراير 1922م، هاجمت القوات الإيطالية مواقع المجاهدين في منطقة قصر حمد بمصراتة. ولهذا عُرفت الواقعة في الذاكرة المحلية باسم معركة السبت أو السبت الكبير.

استخدم الإيطاليون نيران المدفعية بكثافة، ودارت معركة عنيفة استمرت ساعات، وسقط فيها عدد كبير من المجاهدين.

كان عبدالعاطي الجرم في قلب القتال.

وتتفق السير المتاحة على أنه استشهد في تلك المعركة، ثم دُفن في مقبرة أحمد زروق بمدينة مصراتة. عبدالعاطي الجرم – المعرفة

وباستشهاده انتهت رحلة فارس امتدت لأكثر من عقد من المواجهة المباشرة مع الغزو الإيطالي، لكنها تركت روايةً أخيرة أصبحت من أكثر فصول سيرته تأثيرًا.

«اتقوا بي… ما فيَّ رجا»

تروي الذاكرة الشعبية أن عبدالعاطي أُصيب إصابةً قاتلة في معركة السبت، وأن بعض رفاقه حاولوا إنقاذه أو التخفيف عنه، لكنه أدرك أن حياته توشك على النهاية.

فقال لهم بلهجته الليبية:

«اتقوا بي… ما فيَّ رجا»

أي: احتموا بجسدي واجعلوه ساترًا لكم من رصاص العدو، فلم يعد في نجاتي رجاء.

تفاصيل إصابته والعبارة التي نُقلت عنه وصلتنا من الرواية الشعبية، وليست من تقرير عسكري معاصر؛ ولذلك نوردها بصفتها رواية حفظها الناس عن لحظاته الأخيرة.

لكنها، سواء نُقلت بألفاظها الدقيقة أو حفظت معناها العام، تلخص الصورة التي بقيت لعبدالعاطي الجرم: رجلٌ ظل في لحظة موته يفكر في نجاة رفاقه واستمرار المعركة.

لم يطلب أن يحملوه بعيدًا، ولم يصرخ خوفًا من النهاية؛ بل أراد أن يتحول جسده الجريح إلى حمايةٍ للمجاهدين من بعده.

بين التاريخ المكتوب والذاكرة الشعبية

لا تزال سيرة عبدالعاطي الجرم بحاجة إلى بحث أوسع في الوثائق الليبية والإيطالية، وفي سجلات المعارك والمراسلات المحلية.

فالمصادر المنشورة عنه قليلة، وبعضها يعيد الروايات نفسها دون إسناد واضح. كما تختلف الأخبار في تفاصيل أسرته، وبعض المواقع التي قاتل فيها، وقصة الصفعة، وكيفية إصابته واستشهاده.

لكن نقص الوثائق لا يعني أن الرجل لم يكن موجودًا، ولا أن سيرته يمكن إهمالها.

فاسمه باقٍ في الرواية المحلية، وفي الشعر الشعبي، وفي ذاكرة المجاهدين، كما تحمل إحدى المدارس اسمه حتى اليوم، ويظهر اسمها في السجلات الرسمية للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات. المفوضية الوطنية العليا للانتخابات – مدرسة عبدالعاطي الجرم

الواجب هنا ليس أن نضيف إلى الرجل بطولات لا دليل عليها، ولا أن نمحو ما حفظته الذاكرة لأنه لم يصلنا في وثيقة استعمارية؛ بل أن نضع كل خبر في مرتبته:

ما تكرر وثبت نذكره خبرًا تاريخيًا.

وما تناقلته الذاكرة نذكره روايةً شعبية تستحق البحث.

وما اختلفت فيه المصادر نتركه مفتوحًا حتى تظهر وثيقة جديدة.

فارس من ليبيا كلها

لم تكن رحلة عبدالعاطي الجرم رحلة رجل حُبس في حدود منطقته.

خرج من وديان شرق سرت، وقاتل قرب الزويتينة، وارتبط اسمه بالقرضابية، ثم ظهر في ساحات الغرب، واستشهد في مصراتة.

كانت حركته تجسيدًا عمليًا لوحدة معركة الليبيين ضد الاحتلال. لم يسأل المجاهد وهو ينتقل من جبهة إلى أخرى عن الجهة أو القبيلة، بل عن مكان وجود العدو وموقع الواجب.

ولهذا فإن استعادة سيرته اليوم ليست انتصارًا لقبيلة على أخرى، ولا محاولة لإضافة اسم إلى قائمة محلية؛ بل إعادة رجل إلى موقعه في الذاكرة الوطنية.

إنه واحد من أولئك الذين صنعوا تاريخ ليبيا بدمائهم، ثم تركوا للمؤرخين مهمة جمع آثارهم المتناثرة.

عبدالعاطي الجرم… حين يصبح الجسد درعًا

يمكن للرجل أن يموت مرةً في ساحة المعركة، ثم يموت مرة ثانية عندما تنساه الأجيال.

استشهد عبدالعاطي الجرم في قصر حمد سنة 1922م، لكن الواجب ألا نسمح للنسيان أن يقتله مرةً أخرى.

لقد قاتل منذ السنوات الأولى للغزو، وانتقل بين ميادين ليبيا، وثبت مع رجال المقاومة، ثم ختم حياته في الصفوف الأمامية.

وحفظت الذاكرة الشعبية كلمته الأخيرة:

«اتقوا بي… ما فيَّ رجا».

عبارة قصيرة، لكنها تحمل معنى جيل كامل من المجاهدين الذين قدموا أجسادهم لتبقى ليبيا.

رحم الله المجاهد عبدالعاطي الجرم، ورحم رفاقه الذين استشهدوا في معركة السبت، وحفظ أسماء رجال الجهاد في ذاكرة الوطن.

من إعداد المنصة
ArabOnes – الشبكة الرقمية العربية

Leave a comment