معركة أم صويغ 1915.. ملحمة الجهاد الليبي التونسي وشهداء الصيعان

تصميم تخيلي لمجاهدي ليبيا وتونس وهم يهاجمون الحصن الفرنسي في معركة أم صويغ سنة 1915.

معركة أم صويغ 1915.. ملحمة الجهاد الليبي التونسي وشهداء الصيعان

لم تكن الحدود بين ليبيا وتونس حاجزًا أمام رجال الجهاد؛ فعندما امتدت يد الاستعمار الفرنسي إلى الجنوب التونسي، عبر المجاهدون الليبيون لمساندة إخوانهم، واجتمعوا في ميدان واحد تحت قيادة المجاهد خليفة بن عسكر.

ومن بين المعارك التي شهدت ذلك التلاحم: وازن وذهيبة ورمادة ومغري ووادي نكريف ووادي سمنة وجسر أبي زيان، غير أن معركة أم صويغ بقيت من أشدها حضورًا في الذاكرة الشعبية، لما شهدته من حصار عنيف وتضحيات كبيرة، ولا سيما من مجاهدي قبيلة الصيعان.

الطريق إلى أم صويغ

بعد اشتباكات وازن وذهيبة، اتجه خليفة بن عسكر في 2 أكتوبر 1915م نحو المركز العسكري الفرنسي في أم صويغ. وتذكر الدراسة التاريخية عن حملته أن عدد المجاهدين بلغ نحو ألفي رجل من الليبيين والتونسيين، فقُسّمت القوة إلى مجموعتين: مجموعة تحاصر الموقع من الشمال، وأخرى يقودها خليفة بن عسكر من الجهة الجنوبية.

كان المركز محصنًا، وتوجد داخله حامية فرنسية مدعومة بفرقة من الصبايحية. ومع بدء الحصار اشتعلت المناوشات، وقطعت خطوط الاتصال بين أم صويغ وبعض المراكز الفرنسية المجاورة، حتى أصبحت الحامية في موقف بالغ الصعوبة.

النجدات الفرنسية تحت نيران المجاهدين

استنجد قائد الحامية بالمركز الفرنسي في ذهيبة، فأُرسلت قوة لفك الحصار. وقبل وصولها إلى أم صويغ بنحو ستة كيلومترات، اعترضها خليفة بن عسكر ورجاله ودارت معركة عنيفة.

وتذكر المصادر أن القوة الفرنسية تكبدت عشرات القتلى والجرحى، ثم دفعتها نجدة من فرسان المجاهدين إلى الانسحاب. ويروي أحد المشاركين أن المجاهدين أسروا نحو سبعين جنديًا، وهي رواية تعكس حجم الضغط الذي تعرضت له القوات الفرنسية في ذلك اليوم.

وقد اعترفت المراسلات الفرنسية نفسها بصعوبة إنقاذ الحامية، وبأن التقدم نحو أم صويغ كان يعني التعرض لخسائر جسيمة.

لحظة كادت تنهي الحصار

عندما اشتد الحصار وفقدت الحامية الأمل في وصول النجدة، بدأت مفاوضات التسليم. دخل عدد من المجاهدين إلى المركز وشرعوا في جمع السلاح، لكن خلافًا وقع أثناء المفاوضات، وأُطلقت النار على أحد الضباط الفرنسيين.

عندها عاد الجنود المتحصنون إلى إطلاق النار من مسافة قريبة، وتجدد القتال داخل المركز وحوله، فسقط عدد من المجاهدين شهداء وانقلبت اللحظة التي بدت قريبة من الحسم إلى مواجهة دامية.

خمسة وعشرون شهيدًا من الصيعان

تحتفظ رواية الصيعان بأن رجال القبيلة ظلوا في ميدان أم صويغ وواصلوا القتال بعد انسحاب القوة الرئيسية، وقدموا في المعركة خمسة وعشرين شهيدًا.

وحفظ الشاعر والمجاهد خليفة بلقاسم الكردي هذه التضحيات في قصيدة طويلة أصبحت سجلًا شعبيًا للمعركة، فقال في مطلعها:

صار ملطم شين — فيك انخبر بحواله
بين قرانين — مدفع ناره شعّاله

صار ملطم شين — في أم صويغ المخليّة
بين قرانين — يرغي زرار الحربيّة

ثم وصف ثبات المجاهدين وسقوط رجال الصيعان:

حتى شويّين — وثقت فيهم لزميّة
في عدو الدين — عركوا عرك هلاليّة

خمسة وعشرين — منهم رقدوا في هطيّة
للذيب أعوين — فيهم ياكل عل غيّة

وفي موضع آخر يستحضر الشاعر فقد اثنين من أعز الرجال على قلبه:

منهم لثنين — سيد محمد وعليّه
أني القلب حزين — نفسي باتت مكديّة

فاقد صقرين — بيهم ندهم ع ميّه

عتاب الشاعر لخليفة بن عسكر

تحمل القصيدة عتابًا قاسيًا لخليفة بن عسكر، إذ رأى الشاعر أنه انسحب إلى منطقة أغدية وترك بعض المجاهدين في الميدان. ويقول:

هالمدعي وين — مولى الكلمة والديّة
بيه الوطنين — دار عميلة دونيّة

ما هوش رزين — قالوا سلّم في أغدية
منين ناض الغيم — وكدّوا أولاد العربية

غير أن القصيدة تظل شهادة شعرية صادرة عن مقاتل عاش مرارة الفقد، وليست وحدها حكمًا نهائيًا على إدارة المعركة. فالمصادر التاريخية تبيّن أن الحصار شهد توالي النجدات الفرنسية، وتعثر اقتحام الحصن، واضطراب مفاوضات التسليم، وهي ظروف عسكرية ينبغي وضعها إلى جانب موقف الشاعر الغاضب.

واللافت أن خليفة الكردي، رغم هجائه لخليفة بن عسكر في أم صويغ، عاد بعد إعدام القائد سنة 1922 فرثاه في قصيدة، بما يكشف أن خلاف الميدان لم يمحُ اعتراف الشاعر بمكانته في تاريخ الجهاد.

ذاكرة لم تحفظها الوثائق وحدها

لم تكن أم صويغ مجرد معركة على أرض الجنوب التونسي، بل صفحة من الجهاد العربي المشترك؛ وقف فيها الليبي إلى جانب التونسي، واجتمعت القبائل في مواجهة قوة استعمارية تملك الحصون والمدافع والرشاشات.

وحين لم تحفظ السجلات الرسمية كل أسماء الرجال، حفظ الشعر الشعبي جانبًا من بطولاتهم ومشاعر ذويهم. لذلك تبقى قصيدة خليفة الكردي وثيقة من الذاكرة، تنقل إلينا صوت الميدان لا بلغة التقارير الباردة، بل بلغة الفقد والغضب والفخر.

رحم الله شهداء أم صويغ، وكل من حمل السلاح دفاعًا عن أرضه وأهله.


المصادر

  1. ديوان المجاهد وشاعر الصيعان خليفة بلقاسم الكردي.
  2. كتاب «مدينة تيجي وقبائل الصيعان» — د. فارس.
  3. سعاد علي مسعود، «جهاد الليبيين بقيادة المجاهد خليفة بن عسكر في تونس 1915–1918»، مجلة شروس العلمية، 2025.
  4. محمد سعيد القشاط، «خليفة بن عسكر: الثورة والاستسلام»، دار المسيرة، بيروت، 1978.

من إعداد المنصة
ArabOnes – الشبكة الرقمية العربية
arabones.com

Leave a comment