عاكف مسيك وباندة الاحتلال.. حين يتحول ابن البلاد إلى أداة ضد وطنه



عاكف مسيك ومجموعة غير نظامية حملت اسمه خلال سنوات قمع المقاومة الليبية، 1930–1932.



غلاف أرشيفي لمقال ArabOnes عن عاكف مسيك، مبني على صورته الشخصية وصورة جماعته غير النظامية الواردة في مصدر إيطالي، ضمن ملف يوثق استعانة الاحتلال بالباندات المحلية ضد المجاهدين الليبيين.

عاكف مسيك وباندة الاحتلال.. حين يتحول ابن البلاد إلى أداة ضد وطنه

ليست كل جيوش الاحتلال جنودًا قدموا من وراء البحر؛ ففي كثير من التجارب الاستعمارية بحث المحتل عن رجال من أبناء البلاد يعرفون الأرض ومسالكها ولهجات أهلها، ثم جعل منهم عيونًا ودلّالين وقوةً مسلحة تطارد المقاومين. وفي تاريخ ليبيا الإيطالي تظهر أسماء ارتبطت بهذه السياسة، ومن أكثرها حضورًا في الذاكرة الشعبية اسم عاكف مسيك، ويُكتب أيضًا: عاكف أمسيك، وفي المصادر الإيطالية: Akif Msek.

هذه الصفحة لا نكتبها دفاعًا عن متعاون مع المحتل، ولا بحثًا عن أعذار له؛ بل لحفظ ما نقلته المصادر والروايات الليبية عن واحدة من أشهر الباندات التي استعان بها الاستعمار لضرب حركة الجهاد. وفي الوقت نفسه لا نعمّم فعل عاكف ورجاله على قبيلة أو مدينة أو أصل اجتماعي، فالخيانة مسؤولية من اختارها.

ماذا تثبت الصورة الإيطالية؟

تحمل إحدى الصور المتداولة تعليقًا إيطاليًا بعنوان: «مجموعة عاكف مسيك غير النظامية، 1930–1932». ويذكر التعليق أن أفراد المجموعة يرتدون معاطف كاكية وأوشحة مميزة، ويحملون بنادق وذخائر مختلفة، وأن الشخص الواقف في وسط الصورة هو عاكف مسيك، وكان ضابطًا سابقًا في الخدمة العثمانية.

وهكذا لا تقف صورة الباندة وحدها شاهدًا على وجودها؛ بل يحمل التعليق الإيطالي اسم قائدها وصفته السابقة وتسليح رجاله وهيئتهم. وهي وثيقة صادرة من جهة الاحتلال نفسه تؤكد أن عاكف مسيك لم يكن اسمًا صنعته الخصومة الشعبية، وإنما قائد مجموعة منظمة حملت اسمه وخدمت المشروع الاستعماري.

الباندات: ذراع محلية للاحتلال

اعتمدت الإدارة الاستعمارية الإيطالية على تشكيلات محلية مسلحة عُرفت في الكتابات باسم الباندات. وكانت قيمتها العسكرية للمحتل في معرفتها بالتضاريس والطرق ومواطن الماء، وقدرتها على تعقب حركة الأدوار والمجاهدين في بيئة يصعب على الجنود القادمين من الخارج فهمها.

وتضع الإشارات الإيطالية اسم عاكف مسيك ضمن قادة التشكيلات التي لاحقت المقاومة خلال سنة 1930، في المرحلة التي اشتدت فيها سياسة غراتسياني لخنق حركة الجهاد. كما يذكر غراتسياني عاكف في سياق رجاله المتعاونين مع الحكومة الإيطالية، وهو مديح صادر عن قائد آلة القمع نفسها ويكشف موقع الرجل في صف الاحتلال.

وفي ذاكرة الأهالي عُرفت جماعته باسم «باندة عاكف»، كما ارتبط بها اسما «الفتّاشة» و**«فرقة بوحبلة»**؛ والحبلة في اللهجة المحلية هي العصا الغليظة التي تروي الشهادات أنهم كانوا يضربون بها الأهالي العزّل عند التفتيش وجمع السلاح. وتصف الروايات رجال الباندة بأنهم كانوا أشد معرفة بطرق البلاد ومخابئها من الجنود الإيطاليين، ولذلك كان أذاهم بالغًا على المجاهدين والسكان.

وتنقل الذاكرة الشعبية عن عاكف قوله للإيطاليين، حين أعجزتهم الجبال والغابات التي احتمى بها المجاهدون: «لو كان اتنحّوا الكراديم والغثر نكمشوهم كمش»؛ أي لو أمكن إزالة الجبال والغابات لأمسكوا بالمجاهدين جميعًا. وسواء نُقلت العبارة بلفظها الحرفي أم بمعناها، فقد بقيت في ذاكرة الناس تعبيرًا عن إصراره على اقتفاء أثر رجال الجهاد لصالح المحتل.

مطاردة عمر المختار

الثابت أن شيخ الشهداء عمر المختار أُسر بعد إصابته في الاشتباك الذي وقع قرب سلنطة يوم 11 سبتمبر 1931، وأن قوات استعمارية ووحدات محلية مجندة كانت ضمن القوة التي طاردت المجاهدين في تلك المرحلة.

وتذكر الروايات الليبية التي تناولت باندة عاكف أنها شاركت، إلى جانب باندة رمضان القريتلي ووحدات الاحتلال، في عمليات ملاحقة عمر المختار بين سنتي 1929 و1931، تحت القيادة العليا لغراتسياني وبمشاركة ضباط ميدانيين إيطاليين. كما تنسب إليها الحضور في معركة وادي بوطاقة قرب سلنطة يوم 11 سبتمبر 1931، التي انتهت بأسر شيخ الشهداء بعد إصابته.

وننقل هذه الرواية من مصادرها الليبية بوصفها جزءًا أصيلًا من ذاكرة المعركة؛ أما الوثائق الإيطالية المتاحة فتؤكد اعتماد الاحتلال على الباندات والوحدات المحلية في المطاردة، ولا غرابة في ألا تسجل آلة الاحتلال كل فعل ارتكبته أدواتها أو أن تصوغه بصيغة الجريمة التي رآها بها الضحايا.

يوسف بورحيل المسماري والرواية الأكثر إيلامًا

بعد إعدام عمر المختار في 16 سبتمبر 1931، واصل المجاهد يوسف بورحيل المسماري قيادة المقاومة، وظل يقاتل حتى استشهاده في 19 ديسمبر 1931.

وتروي المصادر المحلية وشهادات الأهالي أن باندة عاكف مسيك كانت القوة التي قتلت يوسف بورحيل، ثم قطعت رأسه ونكلت بجثمانه. وحفظت الذاكرة هتافًا نُسب إلى أفرادها بعد مقتله:

اشبح يا بودور غزير
باندة عاكف وايش تدير

وهذه ليست حكاية أُوردت لتبرئة مرتكبها أو انتظار اعتراف منه، بل رواية حفظها مجتمع عاش الوقائع ونقل أسماء ضحاياها وجلاديها. ومنهج الأرشيف العادل أن يثبتها باسم مصدرها وبيئتها، لا أن يمحوها لأن سجل المحتل لم يصف رجاله بالمجرمين.

التفتيش والتنكيل ومقاومة الأهالي

تنقل الروايات أن الباندة شاركت في حملات تمشيط واسعة بحثًا عن السلاح والمجاهدين، وأنها بلغت منطقة بطة شمال شرقي المرج، حيث تصدى لها الأهالي وسقط عدد من رجالها. وتبقى هذه الواقعة شاهدًا في الذاكرة المحلية على أن السكان لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام حملات التفتيش والتنكيل.

وبعد عودة القوات الإيطالية إلى ليبيا مع تقدم قوات المحور في الحرب العالمية الثانية، تروي المصادر أن عاكف ورجاله عادوا إلى حملات جمع السلاح، لكن الحملة تحولت إلى انتقام من السكان الذين قاوموا الإيطاليين واستفادوا من انسحابهم السابق. وتُنسب إلى الباندة في تلك المرحلة أعمال ضرب ونهب وترويع جعلت اسمها مرادفًا للقسوة في ذاكرة كثير من الأهالي.

النهاية التي تخلّى فيها المحتل عن عميله

حين انهزمت قوات المحور بعد معركة العلمين سنة 1942 وانسحبت غربًا، فر الإيطاليون وتركوا المتعاونين معهم يواجهون مصيرهم. وتروي السيرة الشعبية المتداولة أن المخابرات البريطانية قبضت على عاكف مسيك متخفيًا في هيئة راعٍ يحمل عصاه، ثم أُودع سجن الحصان الأبيض في طرابلس، وبقي سجينًا إلى السنوات الأولى بعد استقلال ليبيا، قبل أن يمرض وينقل إلى مستشفى طرابلس المركزي حيث توفي.

وتفاصيل القبض والسجن والوفاة منقولة عن الرواية الليبية المتداولة، ونثبتها هنا منسوبة إليها لأنها جزء من سيرة الرجل كما حفظها من عاصروا زمنه ومن أخذوا عنهم، على أن يظل الباب مفتوحًا لإضافة أي وثيقة قضائية أو بريطانية تظهر لاحقًا.

كيف نقرأ مصادر هذه السيرة؟

المعلومةمصدرها في هذا الملف
وجود مجموعة غير نظامية باسم عاكف مسيك بين 1930 و1932الصورة والتعليق الإيطاليان
خدمته السابقة ضابطًا في العهد العثمانيالتعليق الإيطالي للصورة
عمل الباندة في مطاردة المقاومة وخدمة حكومة الاحتلالمصادر إيطالية وكتابات تاريخية ليبية
مشاركتها في مطاردة عمر المختار ومعركة أسرهالروايات والمصادر الليبية المتداولة
قتل يوسف بورحيل وقطع رأسه والهتاف المنسوب لرجالهارواية الأهالي والذاكرة المحلية المنشورة
التفتيش وضرب الأهالي ومقاومة السكان في بطةالرواية الشفوية المحلية
القبض على عاكف متخفيًا وسجنه ثم وفاتهالسيرة الشعبية المتداولة

اختلاف نوع المصدر لا يعني أن شهادة الأهالي بلا قيمة؛ فالوثائق الاستعمارية كتبت من موقع السلطة، بينما حفظ المجتمع ذاكرة الضحايا وتفاصيل لا مصلحة للمحتل في تدوينها. واجبنا أن نجمع الطرفين، وأن ننسب كل خبر إلى بابه، وأن نترك الأرشيف مفتوحًا لما يظهر من شهادات ووثائق جديدة.

الخيانة موقف لا هوية

من أخطر ما يفعله الخطاب غير المنضبط أن يحوّل جريمة فرد أو جماعة مسلحة إلى إدانة أصل أو قبيلة أو مدينة بأكملها. لقد عرفت ليبيا، مثل سائر البلدان الواقعة تحت الاحتلال، مجاهدين ومتعاونين من بيئات متعددة. والميزان العادل بسيط: من قاوم الاحتلال حفظ الوطن اسمه، ومن أعان المحتل يتحمل وزر اختياره وحده.

ولهذا لا نحتاج إلى إدانة جماعة كاملة كي نقول بوضوح إن عاكف مسيك اختار صف الاحتلال، وإن الباندة التي حملت اسمه صارت في ذاكرة الليبيين أداة للمطاردة والتفتيش والتنكيل. التهمة هنا محددة، وصاحب الفعل يتحملها كاملة.

لماذا نستعيد هذه القصة؟

لأن المحتل لا يصنع نفوذه بالسلاح وحده؛ بل بالوسيط المحلي الذي يعرف الأبواب والوجوه والطرق. وقد يستعمله ما دامت له حاجة، ثم يتركه عند أول هزيمة. أما الوطن فيحتفظ طويلًا بذكر من دافع عنه وذكر من اختار الوقوف في الجهة المقابلة.

رحم الله عمر المختار ويوسف بورحيل المسماري وكل شهداء الجهاد الليبي، وحفظ لذاكرتهم حقها في التحقيق والإنصاف بعيدًا عن التهويل والتعميم.


من تاريخنا | ArabOnes
نستعيد الذاكرة العربية والليبية بميزان الوثيقة والرواية.
arabones.com

Leave a comment