عقبة بن نافع الفهري القرشي… الرجل الذي أرادوا محاكمته بعقل اليوم، فشهد له التاريخ

عقبة بن نافع الفهري القرشي؟ سيرة موثقة لباني القيروان، ومسيرته من برقة إلى المحيط الأطلسي، ورد على حملات تشويه تاريخه.

عقبة بن نافع الفهري القرشي… الرجل الذي أرادوا محاكمته بعقل اليوم، فشهد له التاريخ

ليس عقبة بن نافع اسمًا عابرًا في سجل الفتوح، ولا قائدًا مرَّ بالمغرب ثم انطفأ أثره بانتهاء حملاته؛ بل هو رجلٌ غيّر جغرافية المنطقة، وأسّس مدينةً تحولت إلى أحد أعظم مراكز العلم والحضارة في شمال أفريقيا.

وحين يتطاول بعضهم اليوم على هذا التابعي الجليل، فيختصر سيرته في كلمات مشحونة مثل «الغزو» و«الاحتلال» و«محو الهوية»، فإنه لا يقرأ التاريخ، بل ينتزع حوادث القرن الأول الهجري من زمنها، ثم يُخضعها لقاموس سياسي صُنع بعد ذلك بأكثر من ألف عام.

ومن حق الباحث أن يناقش قرارات عقبة وحملاته وروايات المؤرخين، ولكن ليس من حق أحد أن يزوّر الرجل، أو يمحو القيروان من سيرته، أو يحوّل قائدًا من رجال القرن الأول إلى صورة كاريكاتورية تخدم خصومات هذا العصر.

من هو عقبة بن نافع؟

هو أبو عياض عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري القرشي، من بني فهر من قريش، ومن رجال الجيل الأول للفتوح الإسلامية. عده المؤرخون في التابعين، ولم تثبت له صحبة النبي ﷺ.

وصفه الإمام الذهبي بأنه الأمير الفهري، نائب إفريقية في عهدي معاوية ويزيد، وأنه منشئ القيروان ومُسكِّن الناس بها، ووصفه بالشجاعة والحزم والديانة. وهذه شهادة مؤرخ وناقد للتراجم، لا عبارة حماسية كتبها متأخر مجهول. سير أعلام النبلاء – ترجمة عقبة بن نافع

شارك عقبة في حركة الفتح المبكرة غرب مصر، وخبر جغرافية ليبيا وطرق الصحراء ومداخل المغرب قبل أن يتولى قيادة إفريقية. لم يكن قائدًا وصل من المشرق وهو يجهل الأرض، بل أمضى سنوات طويلة يتنقل في أقاليمها ويواجه القوى المتصارعة فيها.

القيروان… الحجة التي لا يستطيع المشوّهون محوها

في نحو سنة 50هـ، الموافق 670م، أسّس عقبة مدينة القيروان بعيدًا نسبيًا عن الساحل؛ حتى لا تبقى الجيوش والسكان تحت تهديد الأساطيل البيزنطية، ولتكون قاعدة ثابتة بدل حملات تدخل البلاد ثم تنسحب منها.

ولم تكن القيروان معسكرًا مؤقتًا للنهب، بل مدينة ومسجدًا واستقرارًا وعمرانًا. ومع مرور الزمن أصبحت مركزًا للعلم والفقه واللغة، ومنها انتشر علماء وقضاة ومدارس أثرت في تاريخ المغرب والأندلس وأفريقيا.

واليوم تصفها اليونسكو بأنها تأسست سنة 670م، وأنها أصبحت من أهم الحواضر الإسلامية في بلاد المغرب، ويُعد جامع عقبة فيها من أقدم المساجد الكبرى وأبرز النماذج المعمارية الإسلامية في المنطقة. مركز التراث العالمي – القيروان

هنا يسقط السؤال في وجه مَن يصف مشروع عقبة بأنه مجرد تخريب:

أيُّ محتلٍ جاء ليمحو البلاد، ثم أنشأ فيها مدينةً بقيت أكثر من ثلاثة عشر قرنًا منارةً للعلم والعبادة والعمران؟

المستعمر يبني ثكنةً تحرس مصالحه، وميناءً يحمل منه ثروات البلاد إلى الخارج. أما عقبة فترك القيروان: مدينةً لأهل المنطقة، وجامعًا يتعلمون فيه، وقاعدةً نشأت حولها واحدة من أعظم الحضارات في تاريخ المغرب.

المغرب يوم وصل عقبة لم يكن دولة قومية موحدة

أكبر أخطاء الخطاب المعاصر أنه يتحدث عن شمال أفريقيا في القرن الأول الهجري كما لو كان دولة حديثة موحدة ذات حدود وعاصمة وجيش وطني، ثم جاء عقبة فاحتلها.

الحقيقة أن المنطقة كانت ساحةً واسعة تتنافس فيها بقايا السلطة البيزنطية، والحصون الساحلية، والزعامات المحلية، والقبائل المتحالفة والمتنازعة. بعض القوى قاوم المسلمين، وبعضها صالحهم، وبعضها تحالف معهم، ثم أصبحت جماعات واسعة من أهل البلاد جزءًا من الجيوش والدول الإسلامية نفسها.

كان الصراع عسكريًا وسياسيًا ودينيًا، ولم يكن مواجهة بسيطة بين «شعب موحد» و«جنس غريب» كما يحاول الخطاب القومي الحديث تصويره.

ولا يجوز إنكار ما وقع في الفتوح من قتال وشدة وأخطاء بشرية؛ فالتاريخ لا يُنصف بالتقديس الأعمى كما لا يُنصف بالتشويه الأعمى. لكن تحويل كل الفتح إلى مشروع إبادة عرقية ليس بحثًا علميًا، بل إسقاطٌ لأيديولوجيات الحاضر على عالم مختلف تمامًا.

لم يأتِ لفرض عروبة عرقية

لم تكن رسالة عقبة قائمة على البحث في أنساب الناس أو تغيير دمائهم، بل على توسيع سلطان الدولة الإسلامية وفتح الطريق أمام الدعوة. والدليل الأكبر أن الإسلام لم يشترط على أهل المغرب التخلي عن أصولهم أو أنسابهم، وأن رجالًا من سكان المنطقة دخلوا بعد ذلك في قلب التاريخ الإسلامي قادةً وفقهاء وعلماء وولاة.

ومن بلاد المغرب نفسها خرجت دول وجيوش أعادت تشكيل العالم الإسلامي، وعبرت إلى الأندلس، وحمت المنطقة من أخطار كبرى. ولو كان الإسلام قد محا أهل البلاد، فمن الذي أقام تلك الدول وقاد تلك الجيوش وصنع ذلك التراث؟

لقد امتزج العرب وأهل ليبيا والمغرب عبر القرون بالمصاهرة والدعوة والعلم والجهاد، ونشأت هوية عربية إسلامية مغاربية لا يمكن اختصارها في رواية «وافد ومحتل» ولا في وهم «عرق نقي» منعزل عن التاريخ.

وصية المحيط… بين الرواية والرمز

اشتهرت الروايات التي تذكر أن عقبة بلغ أقصى المغرب حتى وقف على ساحل المحيط، وأنه أعلن أنه لو علم وراء البحر أرضًا لخاض إليها في سبيل الله.

تفاصيل بلوغه المحيط وصيغة كلماته وردت في كتب التاريخ بصور متعددة، وبعض أسانيدها محل نقاش؛ لذلك لا يصح أن نجعل العبارة وحدها أساس سيرته كلها.

لكن المعنى الذي حملته الرواية صادق في التعبير عن شخصيته: قائد لم تكن تحركه الرغبة في قصر أو ضيعة، بل كان يرى نفسه صاحب رسالة، يمضي إلى آخر الطريق الذي يقدر عليه.

وعظمة عقبة لا تتوقف على ثبوت أن قوائم فرسه لامست ماء المحيط؛ فقد ثبت له ما هو أعظم أثرًا: القيروان، والفتوح، وسنوات الجهاد، والنهاية التي اختار فيها القتال على النجاة.

يوم تهودة… عندما ترجل القائد وقاتل حتى النهاية

في سنة 63هـ، الموافق 683م تقريبًا، رجع عقبة من حملته في المغرب، وكان قد سرّح معظم جيشه، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه. قرب تهودة، في منطقة بسكرة الحالية، أحاطت به قوات كبيرة يقودها كسيلة، مدعومة بعناصر محلية وبيزنطية وفق روايات المؤرخين.

كان عقبة يستطيع أن يبحث عن طريق للانسحاب، لكنه نزل مع أصحابه وقاتل حتى قُتلوا جميعًا. واستشهد معه أبو المهاجر دينار، رغم ما كان بين الرجلين من خلاف سابق.

هناك انتهت حياة القائد، لكنها لم تُنهِ مشروعه. سقط عقبة في المعركة، ثم عادت الجيوش بعد سنوات، واستقرت القيروان، وانتشر الإسلام حتى أصبح دين الغالبية الساحقة من سكان شمال أفريقيا.

قتله خصومه في تهودة، لكنهم لم يستطيعوا قتل الأثر الذي تركه.

هل كان عقبة معصومًا؟

لا. عقبة قائد مسلم وتابعي مجاهد، وليس نبيًا ولا معصومًا. يمكن دراسة سياساته، ومناقشة علاقته بأبي المهاجر وكسيلة، وتمحيص الروايات المتعلقة بحملاته، والتمييز بين الأخبار المبكرة وما أضافته الكتب المتأخرة.

لكن هناك فرقًا شاسعًا بين البحث والتشويه.

الباحث يجمع الروايات، ويرتب تواريخها، ويفحص أسانيدها وسياقاتها. أما صاحب الهوى فيختار أسوأ رواية، ويحذف القيروان، ويتجاهل البيزنطيين والصراعات المحلية، ثم يصف عقبة بمصطلحات عصر الاستعمار الأوروبي.

ومن الغريب أن بعضهم يتعامل مع قرون الهيمنة الرومانية والبيزنطية بوصفها «تاريخًا حضاريًا»، ثم يصبح شديد الحساسية فجأة عندما يصل الحديث إلى الفتح العربي الإسلامي!

يرفعون آثار روما شاهدًا على الحضارة، ويعرضون القيروان وكأنها جريمة.

وهذا ليس إنصافًا لأهل ليبيا والمغرب، بل استمرارٌ للرواية الاستعمارية التي تجعل كل ما سبق الإسلام حضارة، وكل ما جاء مع العرب طارئًا يجب الاعتذار عنه.

عقبة ليس ملكًا لقبيلة ولا دولة

عقبة بن نافع الفهري القرشي ليس رمزًا لتونس وحدها لأن القيروان فيها، ولا للجزائر وحدها لأن ضريحه قرب بسكرة، ولا لليبيا وحدها لأنه عبر أرضها وخبر طرقها، ولا للمشرق وحده لأنه خرج منه.

إنه جزء من تاريخ أمة امتدت من الجزيرة العربية ومصر وليبيا إلى المغرب والأندلس.

لقد مرّ من أرض ليبيا، وخاض الصحراء، وأسهم في فتح الطريق غربًا، ثم بنى في إفريقية مدينةً حملت العلم إلى أجيال متعاقبة. ولذلك فإن الدفاع عنه ليس دفاعًا عن شخص مات منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا فقط، بل دفاع عن ذاكرة كاملة يراد تفكيكها وإعادة كتابتها بلغة الخصومات الحديثة.

سيبقى عقبة… ويبقى الأثر

سيبقى اسم عقبة بن نافع مكتوبًا في القيروان، وفي جامعها، وفي كتب التاريخ، وفي ذاكرة ملايين المسلمين.

وستبقى حملات التشويه مجرد ضجيج عابر؛ لأن الرجال لا تُقاس قيمتهم بصوت خصومهم، بل بما تركوه بعد رحيلهم.

ترك عقبة مدينةً.

وترك مسجدًا.

وترك طريقًا عبر ليبيا والمغرب.

وترك رجالًا أكملوا المسيرة.

ثم ختم حياته مقاتلًا في الميدان، لا مختبئًا خلف قصر ولا هاربًا بسفينة تحمل الغنائم إلى وراء البحر.

لسنا مضطرين إلى اختراع فضائل لعقبة، فتاريخه يكفيه. ولسنا بحاجة إلى منعه من النقد، بل إلى منع الكذب عليه.

رحم الله التابعي الأمير عقبة بن نافع الفهري القرشي؛ باني القيروان، وفاتح الطريق إلى المغرب، والشهيد الذي مات وبقي أثره حيًا.

من إعداد المنصة
ArabOnes – الشبكة الرقمية العربية

Leave a comment