أحمد رفيق المهدوي… شاعر الوطن الذي قاوم الاحتلال بالكلمة وحمل ليبيا في منفاه

سيرة أحمد رفيق المهدوي، شاعر الوطن الكبير الذي قاوم الاحتلال الإيطالي بالكلمة، وعاش المنفى ثم عاد للمشاركة في استقلال ليبيا.

أحمد رفيق المهدوي… شاعر الوطن الذي قاوم الاحتلال بالكلمة وحمل ليبيا في منفاه

لم يحمل بندقيةً في الجبل، لكنه حمل سلاحًا كانت سلطات الاحتلال تخشاه: الكلمة التي توقظ الناس، وتحفظ أسماء الأوطان حين يريد الغزاة محوها من الذاكرة.

ذلك هو أحمد رفيق المهدوي؛ الشاعر الذي لم تكن ليبيا عنده موضوعًا للقصيدة، بل وطنًا عاش في دمه، وحمله معه من الجبل الغربي إلى الإسكندرية، ومن بنغازي إلى المنافي التركية، ثم عاد إليه بعد غياب طويل ليشارك في بناء دولته المستقلة.

كان شاعرًا حين تصبح القصيدة موقفًا، ومناضلًا حين تتحول الكلمة إلى مقاومة، وليبيًا جمع في سيرته جهات البلاد كلها دون أن يقسمها: مولدٌ في الغرب، وحضورٌ وطني في بنغازي، ومنفى طويل خارج الوطن، ثم قبرٌ في ترابه.

من فساطو بدأت الرحلة

وُلد أحمد رفيق المهدوي سنة 1898م في فساطو بالجبل الغربي، وانتقل مع أسرته إلى نالوت، حيث بدأ تعليمه بحفظ القرآن الكريم، ثم تنقل بين مصراتة والزاوية وطرابلس.

تلقى تعليمه في مرحلة كانت ليبيا تعيش فيها تحولات سياسية وثقافية كبرى؛ فدرس باللغة التركية، ثم سافر في سن مبكرة إلى الإسكندرية، والتحق بالمعهد العلمي، وواصل تعليمه في بيئة عربية كانت تعج بالأدب والصحافة والفكر الوطني.

أكسبته تلك الرحلات ثقافةً متعددة الروافد، لكنه لم يسمح للغربة أن تنتزع منه انتماءه؛ فكلما اتسعت أمامه المدن، ازدادت ليبيا حضورًا في شعره.

تؤكد سيرة وزارة الثقافة الليبية مولده في فساطو سنة 1898م، وتنقله إلى نالوت ومصراتة والزاوية، ودراسته في طرابلس والإسكندرية قبل عودته إلى بنغازي سنة 1920م.

بنغازي… حين أصبحت القصيدة تهمة

عاد المهدوي إلى بنغازي سنة 1920م والتحق بالوظيفة العامة، ثم شغل منصب سكرتير بلدية بنغازي.

كان يستطيع أن يعيش موظفًا هادئًا تحت سلطة الاحتلال، لكنه اختار أن يكون شاعرًا لوطنه. راحت قصائده تفضح الاستعمار وتستنهض الروح الوطنية، حتى أدرك الإيطاليون أن الكلمة قد تكون أخطر من الرصاصة؛ فعُزل من وظيفته، وضُيّق عليه، وأُجبر على مغادرة البلاد.

لم يكن شعره زينةً للمجالس، بل صار جزءًا من أدب المقاومة الليبية؛ يسجل آلام الناس، ويرفض الذل، ويحفظ اسم الوطن في زمن أراد فيه الاحتلال أن يجعل ليبيا مجرد مستعمرة إيطالية.

منفى يتكرر… ووطن لا يغيب

غادر المهدوي إلى تركيا سنة 1924م، وعمل في التجارة، ثم عاد إلى بنغازي سنة 1934م، لكن سلطات الاحتلال لم تحتمل عودته ولا صوته، فأُبعد مرة أخرى إلى تركيا.

تختلف بعض السير المختصرة في ترتيب تاريخَي خروجه الأول ونفيه الثاني، لكنها تتفق على الحقيقة الكبرى: أن نشاطه الوطني وقصائده جعلاه هدفًا للسلطات الإيطالية، وأن منفاه طال حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

وفي تركيا لم يتوقف عن متابعة شؤون ليبيا، ولم تتحول غربته إلى قطيعة. ظل الوطن حاضرًا في وجدانه، حتى بدت قصائده وكأنها رسائل يبعث بها المنفي إلى أرض لا يستطيع الوصول إليها.

ومن أصدق ما عبّر به عن ألم الرحيل:

رحيلي عنك عزَّ عليَّ جدًا
وداعًا أيها الوطن المفدّى

ليس هذا حنين مسافر عابر، بل وجع رجل أُبعد عن بلده لأن كلمته رفضت أن تنحني.

عاد عام 1946… فعاد صوت الوطن

عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وانتهى الوجود الاستعماري الإيطالي، عاد أحمد رفيق المهدوي إلى ليبيا سنة 1946م.

لم يعد شاعرًا يبحث عن مكانه في المشهد الأدبي، بل عاد رمزًا وطنيًا عرف الناس قصائده ومواقفه وثمن المنفى الذي دفعه. شارك في الحركة الوطنية التي خاضت معركة الاستقلال السياسي، وأسهم بصوته ومكانته في المرحلة التي سبقت إعلان استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951م.

وعند تأسيس الدولة الليبية عُيّن عضوًا في مجلس الشيوخ، ثم جُددت عضويته. وهكذا انتقل الرجل من مقاومة الاستعمار بالكلمة إلى المشاركة في مؤسسات الدولة التي حلم بها طويلًا.

لم يكن دخوله مجلس الشيوخ انتقالًا من الشعر إلى السياسة، بل استمرارًا للموقف نفسه: خدمة ليبيا، مرةً بالقصيدة ومرةً بالمسؤولية العامة.

لماذا استحق لقب «شاعر الوطن الكبير»؟

لم ينل المهدوي هذا اللقب بسبب قصيدة واحدة، بل لأن الوطن شكّل المحور الأكبر في تجربته.

كتب بالفصحى وبالشعر الشعبي، وتفاعل مع قضايا ليبيا ومصر وفلسطين وتونس، ورأى أن الشاعر ليس منعزلًا عن قضايا أمته. كان محافظًا في بناء كثير من قصائده، لكنه حمل روحًا تجديدية في الفكرة والموقف، وربط الشعر بالحياة العامة وهموم الناس.

وتشير المراجع الأدبية إلى أن الناقد عباس محمود العقاد كتب سنة 1954م مقالًا مطولًا عن شعره وأشاد بموهبته، كما أصدر محمد الصادق عفيفي كتاب «رفيق شاعر الوطنية الليبية» سنة 1959م.

وجُمعت أعمال المهدوي لاحقًا في ثلاثة أجزاء بعنوان «ديوان شاعر الوطن الكبير أحمد رفيق المهدوي»، وله أيضًا مسرحية بعنوان «غيث» ومقالات متفرقة.

إن لقب «شاعر الوطن» لم يكن تكريمًا أدبيًا فقط؛ بل خلاصة حياة عاشها الرجل بين وطن محتل ومنفى بعيد ودولة مستقلة.

شاعر جمع ليبيا في سيرته

في حياة المهدوي معنى وطني يتجاوز الأدب؛ فهو وُلد في فساطو، وتعلم في نالوت، ومرّ بمصراتة والزاوية وطرابلس، وصنع حضوره الأكبر في بنغازي، وعاش منفاه في تركيا، لكنه ظل في كل مكان شاعرًا لليبيا كلها.

لم يحبس الوطن في مدينة أو جهة، ولم يجعل الانتماء المحلي بديلًا عن ليبيا. كانت البلاد في وجدانه كيانًا واحدًا، وكان استقلالها هو الغاية التي تستحق أن يدفع الإنسان من أجلها الوظيفة والراحة وسنوات العمر في المنفى.

لهذا لا ينبغي أن نقرأ سيرته باعتباره شاعرًا من منطقة، بل باعتباره أحد الأصوات التي أسهمت في صياغة الوجدان الوطني الليبي الحديث.

الرحيل… والعودة الأخيرة إلى بنغازي

توفي أحمد رفيق المهدوي في أثينا باليونان يوم 6 يوليو 1961م. ونُقل جثمانه إلى ليبيا، ودُفن في مدينة بنغازي التي شهدت أهم مراحل نضاله الأدبي والوطني.

وبعد وفاته جُمعت دواوينه، واحتفت به المؤسسات الثقافية، وأُطلق اسمه على أحد مدرجات كلية الآداب، كما أصدرت الدولة الليبية طابعًا بريديًا يحمل صورته، وبقي اسمه مرتبطًا بلقب لا يزال يختصر سيرته:

شاعر الوطن الكبير.

لقد رحل الرجل، لكن صوته لم يرحل؛ لأن الشعر الذي يولد من قضية وطنية لا ينتهي بموت صاحبه، بل يتحول إلى وثيقة تحفظ روح زمن كامل.

الكلمة التي هزمت المنفى

لم يكن أحمد رفيق المهدوي قائد جيش، لكنه كان واحدًا من حراس الذاكرة الوطنية.

عزله الاحتلال، فكتب.

أبعده عن ليبيا، فحملها في قصائده.

عاد بعد سنوات المنفى، فشارك في معركة الاستقلال.

وحين مات بعيدًا، عاد جسده ليوارى في الأرض التي أحبها وغنى لها طوال حياته.

هكذا يكون الوفاء: أن تظل البلاد في قلبك حين تُحرم منها، وأن تحافظ على اسمها حين يريد المحتل تبديله، وأن تعود إليها عندما يحين وقت البناء.

رحم الله أحمد رفيق المهدوي؛ شاعر الوطن الكبير، وصوت المقاومة بالكلمة، والرجل الذي أثبت أن القصيدة قد تصبح موقفًا، وأن الحبر قد يحفظ وطنًا كاملًا في ذاكرة الأجيال.

من إعداد المنصة
ArabOnes – الشبكة الرقمية العربية

Leave a comment